Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية
التزكية والتصوف

مقامات الصفح الجميل وشهود الأفعال: رحلة السالك من انكسار المظالم إلى جنة الرضا

اكتشف في هذا المقال السلوكي والتربوي العميق أسرار التزكية من خلال توجيهات الدكتور جابر بغدادي، حيث نتعلم كيف نرتقي من حظوظ النفس الأمارة بالسوء إلى طمأنينة القلب، عبر التخلق بمقام "الصفح الجميل" وشهود أفعال الله، لنجد في كلام الله القديم أعظم عزاء وجبر للخواطر المنكسرة.

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على طب القلوب ودوائها، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. يا ولدي، اعلم أن طريق السلوك إلى الله ليس مجرد ادعاءات باللسان، بل هو مجاهدة مستمرة للنفس، وتطهير للقلب من أمراضه وأدرانه. وإن المنهج القويم الذي سار عليه أئمة الهدى هو "التصوف السني المعتمد"؛ ذلك المنهج الذي يمثل "مقام الإحسان" الذي أخبر عنه النبي في حديث جبريل عليه السلام. ولتكن على يقين دائم بالقاعدة الذهبية التي أرساها ساداتنا الأعلام: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة". فلا إسقاط للتكليف، ولا تهاون في العبادات الظاهرة، بل إن مقامات السلوك كالرضا والتوكل والزهد إنما هي الروح التي تحيي جسد العبادة. وفي طيات توجيهات فضيلة الدكتور جابر بغدادي، نجد دواءً ناجعاً لأمراض القلوب التي تفتك بالسالكين، كالعُجب والكبر والرياء والحقد. فتعال يا ولدي نستلهم من هذه التوجيهات كيف يترقى السالك من ظلمات "النفس الأمارة بالسوء"، مروراً بـ "النفس اللوامة"، وصولاً إلى جنة "النفس المطمئنة". مقام الصفح الجميل: دواء الحقد وعلاج الكبر إن من أعظم ما تبتلى به النفس حين تتعرض للظلم هو الغضب والرغبة العارمة في الانتقام، وهو مرض يورث القلب قسوة وحجاباً عن الله. يخبرنا الشيخ جابر بغدادي أن الله جل جلاله حين يعزي العبد في عداوة عبد، وحين يواسي المظلومين والمنكسرين والمحبين، يوجههم إلى دواء عجيب: "لو الكون كله ضدك سامح، ما حدش فاضي يقف قدام حد". يا ولدي، إن السالك الصادق لا يضيع وقته في الوقوف أمام أبواب المخلوقين محاسباً ومعاتباً، بل يسرع ليكون في الصفوف الأولى مع أهل القرآن. لقد وازى الله حبيبه المصطفى في بلاء الكون، وعزاه عمن كذبوه ورموه بالسحر والجنون، فأمره بالدواء الأعظم قائلاً: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾⁽¹⁾. والصفح الجميل ليس مجرد كتمان للغيظ مع بقاء الحقد، بل هو كما يعلمنا ساداتنا: مغفرة تامة لا عتاب فيها. إنه مقام يسحق "الأنا"، ويطهر القلب من الكبر وحب الانتصار للنفس. وقد جسد الحبيب هذا المقام حين دخل مكة فاتحاً، وظنت النفوس التي لم تكتمل تزكيتها أن "اليوم يوم الملحمة"، فجاء التوجيه النبوي المربي في الحديث الصحيح: «لا، اليوم يوم المرحمة»⁽²⁾. فلا تلتفت يا ولدي لمن ينكر على السادة الصوفية أحوالهم ومقاماتهم النبوية، أو يرميهم بالبدعة، فإن التصوف هو التحقق بهذا الخلق المحمدي الأصيل. ولذا كان سيدي الإمام عبد القادر الجيلاني (ت: ٥٦١ هـ، سلطان الأولياء وتاج العارفين)⁽³⁾ يقول مربياً لمريديه: "من أحبنا فهو لنا، ومن لم يحبنا فنحن له". أي أن من عادانا فنحن دواء لقلبه المريض، وهذا هو غاية الإحسان ومجاهدة النفس. شهود الأفعال: الترقي إلى الرضا والتسليم يا ولدي، إن من أشد العقبات التي تواجه السائرين هي رؤية الأفعال صادرة من المخلوقين استقلالاً، مما يورث القلب غفلة وجزعاً. يضع لنا الشيخ جابر قاعدة سلوكية نفيسة حين يقول: "الأولياء بيشوفوا كل الأفعال من الله، حتى الظالم ده... عشان يعديني من غير حساب". هنا ننتقل من "الشريعة" التي تأمر بدفع الظلم، إلى "الحقيقة" التي تجعل القلب ساكناً راضياً بقضاء الله. فالسالك لا يسقط التكليف ولا يبرر للظالم ظلمه، ولكنه في باطنه يشهد أن الله هو الفاعل المختار، وأنه سبحانه أجرى هذا البلاء ليمحص قلبه ويرقيه إلى دوائر الاصطفاء حيث يقول الحق: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾⁽⁴⁾. بهذا الشهود، يبرأ القلب من الغفلة، وتتحول المحنة في حقه إلى منحة، ويذوب الكبر في بحار التسليم، وتلك هي ثمرة "الذكر" الدائم الذي يجلو بصيرة القلب. كلام الله القديم: جنة السالك وملاذه المتين وحينما ينكسر القلب، يأتيه الجبر الإلهي بأعظم عطية. يتوقف الشيخ جابر عند إشارة قرآنية بديعة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾⁽⁵⁾، مقارناً إياها بقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾⁽⁶⁾. يعلمنا الشيخ أن "أعطيناك" تفيد تمليك المخلوق، أما "آتيناك" فهي منح لما لا يملك، فالقرآن كلام الله القديم غير المخلوق. يا ولدي، إذا امتلأ جوفك بكلام الله، وصار الذكر ديدنك، فلا تبالِ بعداوة الخلق. إن المعية الإلهية الحاصلة بالقرآن والذكر هي الحصن الذي تتكسر عليه سهام المظالم. وصدق الإمام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ، شيخ الإسلام وعلم من أعلام السلف)⁽⁷⁾ حين قال كلمته التي يتغنى بها العارفون: "أنا ماذا يفعل بي أعدائي، إن جنتي وبستاني في صدري، إن معي كتاب الله". فيا ولدي، الزم باب مولاك، وطهر قلبك بالصفح، واشهد فضل الله في كل نعمة وبلية، ولا تلتفت لصدود المنكرين الذين جفت قلوبهم عن تذوق حلاوة "الحب الإلهي" والتعلق بالصالحين. كن مع الله بالقرآن، يداوِ الله جرحك ويعزك في بليتك.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 6 دقائق