Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة
مقالات العقيدة

عقيدة الرضا وتوحيد الأفعال: كيف يعزي الله المظلومين بالقرآن

استكشف مع الدكتور جابر بغدادي أسرار العقيدة الإسلامية في شهود الأفعال الإلهية عند نزول المظالم. مقال يفصل عقيدة أهل السنة في الفرق بين كلام الله القديم والعطاء المخلوق، مع الرد الحاسم على شبهة العقيدة الجبرية الباطلة في رؤية أفعال العباد، لتجد في القرآن أعظم عزاء لقلبك.

إن العقيدة الصحيحة يا ولدي ليست مجرد نصوص جامدة تُحفظ في السطور، بل هي نور حي يسري في الصدور، وحصن حصين يأوي إليه القلب المكسور حين تتكالب عليه المظالم. ومن أعمق أبواب العقيدة التي تتجلى فيها رحمة الله بعباده، هو باب "توحيد الأفعال" وباب الإيمان بصفات الله عز وجل. وحين نتأمل توجيهات الدكتور جابر بغدادي، نجد أن الله جل جلاله حين يعزي العبد في عداوة عبد آخر، فإنه يفيض عليه بأنوار اليقين العقدي الذي يجعله يرى الكون بمنظار الحقيقة لا بمنظار الوهم، فلو وقف الكون كله ضدك، فإن العقيدة السليمة ترشدك إلى مقام المسامحة والصفح، لتكون في الصفوف الأولى مع أهل القرآن. عقيدة كلام الله القديم: السر في الإيتاء والإعطاء يتجلى الفهم العقدي الدقيق في بيان الفرق بين ما يملكه الله لعباده من مخلوقاته، وبين ما يفيض به عليهم من بركات صفاته القديمة. وقد نبه الدكتور جابر بغدادي إلى هذا السر البديع في القرآن الكريم؛ ففي سورة الكوثر قال الحق سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾⁽¹⁾، بينما قال في موضع آخر مواسياً ومعزياً: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾⁽²⁾. لماذا قال هناك "أعطيناك" وقال هنا "آتيناك"؟ الفارق هنا يكمن في صميم العقيدة؛ فلفظة "الإعطاء" تفيد التمليك لشيء مخلوق، ونهر الكوثر هو من نعيم الجنة المخلوق الذي جعله الله ملكية خاصة للحبيب المصطفى . أما القرآن الكريم، فهو "كلام الله القديم غير المخلوق"، وصفة من صفات ذاته العلية، وصفات الله لا تُملك ولا يُتخلى عنها، بل يُؤتى العبد بركاتها وأنوارها، ولذا قال "آتيناك". فمن أوتي كلام الله، فقد أوتي أعظم عزاء وجبر في الكون، لأنه ارتبط بصفة الخالق جل جلاله، وهذا من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة التي تثبت أن القرآن كلام الله حقيقة ليس بمخلوق. توحيد الأفعال بين شهود الأولياء ومزالق الجبرية وهنا نصل إلى أعمق أسرار التوحيد التي ذكرها الشيخ حين قال: "الأولياء بيشوفوا كل الأفعال من الله، حتى الظالم ده، مين اللي سايبه يظلمني؟ ربنا، عشان يعديني من غير حساب". إن هذا الكلام يمثل ذروة مقام "توحيد الأفعال"، ولكن احذر يا ولدي أن تزل قدمك فتفهم من هذا المعنى الجليل ما يوافق "العقيدة الجبرية" الباطلة! فالعقيدة الجبرية الفاسدة تدعي أن العبد مجبور كَالرِّيشَةِ فِي مَهَبِّ الرِّيح، وتُسقط التكليف وتبرر للظالم ظلمه بدعوى أن الله قدره عليه. وهذا ضلال مبين نبرأ إلى الله منه. أما عقيدة أهل السنة والجماعة، وما يقرره الأولياء العارفون، فهي أن الظالم مختار لفعله، مكتسب لإثمه، ومحاسب على ظلمه أمام الله والشرع. ولكن "المظلوم" في مقام شهوده القلبي ومعاملته مع ربه، يغض الطرف عن يد الظالم المخلوقة الضعيفة، وينظر إلى "المُقَدِّر" الحكيم. هو يعلم أن الله لم يخلق هذا الفعل إلا لحكمة بالغة، وهي تمحيص المظلوم وترقيته، ليمر على دائرة الاصطفاء التي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾⁽³⁾. فالولي يشهد أن الله هو الخالق لكل أفعال العباد خيرها وشرها، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾⁽⁴⁾، والعبد هو المكتسب لها. بهذا الشهود العقدي السليم، ينجو القلب من نار الحقد على المخلوقين، ويرضى عن الخالق، ويتحقق بمقام الصفح الجميل. عقيدة الصفح الجميل وأخلاق الكمل بناءً على هذا الاستقرار العقدي، يثمر القلب أخلاقاً ربانية. لم يقل الله لنبيه "فاصفح" وحسب، بل أمره بالترقي فقال: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾⁽⁵⁾. والصفح الجميل هو المغفرة التامة التي لا تخالطها إرادة انتقام ولا عتاب، وهو مقام لا يستطيعه إلا الكمل من الرجال الذين صحت عقيدتهم. وقد تجلى ذلك في يوم فتح مكة، حين ظن البعض أنه يوم للانتقام والتصفية فقالوا: "اليوم يوم الملحمة"، فرد عليهم المبعوث رحمة للعالمين قائلاً: «لا، اليوم يوم المرحمة»⁽⁶⁾. ومن هذا النبع العقدي المحمدي الصافي، استقى الإمام سيدي عبد القادر الجيلاني (ت: ٥٦١ هـ) (سلطان الأولياء وتاج العارفين)⁽⁷⁾ مشربه حين قال: "من أحبنا فهو لنا، ومن لم يحبنا فنحن له". فهذه ثمرة العقيدة الصحيحة التي تجعل العارف طبيباً للخلق، يتحمل أذاهم يقيناً منه في قدر الله، وطمعاً في هدايتهم. جنة العقيدة في الصدر يا ولدي، إذا استقرت هذه العقيدة في حشاياك وطواياك، وامتزج كلام الله القديم بلحمك ودمك، فإنك ستحيا في جنة أخرى لا تدركها أبصار الغافلين. وقد عبر عن حلاوة هذا اليقين العقدي أحد كبار الأئمة (ت: ٧٢٨ هـ)⁽⁸⁾ حين قال: "أنا ماذا يفعل بي أعدائي؟ إن جنتي وبستاني في صدري، إن معي كتاب الله". فمهما تآمر الكون ضدك، ومهما كثر المظلمون، فاعلم أن ارتباط قلبك بكلام الله القديم وشهودك لأفعاله بحكمة ورضا، هو أعظم تعزية ربانية، وهو الدواء الشافي لكل جرح.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 7 دقائق