توثيق استنباطات الصفح الجميل وجبر الخواطر في ضوء الكتاب والسنة
تفريغ الكلمة المباركة
إن الله جل جلاله حين يعزي عبداً في عداوة عبد آخر، وحين يمسح على قلوب المظلومين والمنكسرين، بل وحين يعزي المحب الصادق، فإنه يفيض بعطاءاته الربانية التي لا تحد. يا ولدي، لو وقف الكون بأسره ضدك فسامح، فليس ثمة متسع من الوقت لنقف أمام أحد حاسبين معاتبين. هيا يا ولدي أسرع الخطى، لتكون أول من يلبي النداء، وتقف في الصفوف الأولى مع أهل القرآن، ليكون القرآن لك عوضاً وجبراً لخاطرك المنكسر. عزاء السماء في بلاء الأرض انظر كيف كان الحق يواسي حبيبه ومصطفاه، معزياً إياه في بلاء الكون، وفيمن ظلمه وآذاه، فيمن كفر به، وفيمن ضربوه وطردوه وعصوه، بل وفيمن رموه بالباطل وقالوا عنه «ساحر»، أو وصفوه بالبتر وقالوا «أبتر»، وما شابه ذلك من أقوالهم القاسية؛ فماذا قال له الجليل؟ قال موجهاً ومرشداً: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾⁽¹⁾ (سورة الحجر). وكأنه يقول له:تجاهل كل هذا تماماً وسامح، فلسنا متفرغين لمحاسبة أحد. ومن هذا المعين الصافي، استقى سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت: ٥٦١ هـ، سلطان الأولياء وتاج العارفين)⁽²⁾ مشربه حين قال: «من أحبنا فهو لنا، ومن لم يحبنا فنحن له». فيا لغبطة من عرف طريق محبتنا، ويا لسعادتنا نحن بمن ناصبنا العداء؛ إذ نكون له دواءً وهداية. أسرار العطاء والصفح الجميل ثم تأمل يا ولدي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾⁽³⁾ (سورة الحجر)، ولنتوقف هنا ملياً للتدبر؛ ففي سورة الكوثر قال عز من قائل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾⁽⁴⁾ (سورة الكوثر)، فما السر الخفي في استعمال لفظة «أعطيناك» هناك، ولفظة «آتيناك» هنا؟ السر يا ولدي يكمن في أن «أعطيناك» تعني ملكناك إياها، أما «آتيناك» فتعني منحناك ما لا يمكن أن تملك؛ فالكوثر هبة ملكية خاصة لك، أما القرآن الكريم فإنه كلام الله القديم الذي ليس بمخلوق. ولهذا جاء التوجيه الرباني بالصفح. فلو اقتصر الأمر على مجرد «فاصفح» لكان أمراً مقدوراً عليه، وقد صفح النبي بالفعل، ولكنه خُصّ بـ«الصفح الجميل». وما هو هذا الصفح الجميل يا ولدي؟ إنه عين المغفرة، مقامٌ سامٍ وعالٍ لا يطيق ارتقاءه إلا الكُمَّلُ من الرجال. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فكيف تجلى صفحة الجميل؟ ظهر ذلك جلياً يوم فتح مكة، حينما تنادى البعض قائلين: «اليوم يوم الملحمة»، فرد عليهم المبعوث رحمة للعالمين ﷺ قائلاً: «لا، اليوم يوم المرحمة»⁽⁵⁾ (صحيح البخاري). فنحن لم نأتِ للحرب والقتال، فاصفح يا ولدي الصفح الجميل لتنال عطيتنا الربانية. جنة الرضا في صدور العارفين كلما ألفيت من يظلمك، اقرأ سورة الفاتحة، وناجِ ربك بقلب راضٍ قائلاً: «يا رب، أنا رضيت بعطيتك». فالأولياء، يا ولدي، تنكشف لهم الحقائق، فيرون الأفعال كلها صادرة من عين المشيئة الإلهية، حتى ذلك الظالم المنفلت؛ فمن الذي أذن له بظلمي؟ إنه الله، ليرفع درجتي ويعديني بغير حساب، حتى أمرّ على تلك الدائرة النورانية التي يُنادى فيها: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾⁽⁶⁾ (سورة الزمر). فلو تكالبت علينا الدنيا بأسرها، وما دمنا نعتصم بالقرآن الكريم، فنحن نحيا في جنة أخرى لا يدركها أهل الغفلة. فليس في الوجود كله نعمة أعظم من عبد يحمل بين طيات صدره كلام الله، وصدق أحد أئمة السلف (ت: ٧٢٨ هـ)⁽⁷⁾ حين عبر عن هذا المعنى قائلاً: «ماذا يفعل بي أعدائي؟ إن جنتي وبستاني في صدري، إن معي كتاب الله». فهل تدرك يا ولدي معنى أن يسكن كلام الله بين حشاياك وطواياك وحواياك؟ حينما تجد القرآن ينساب عذباً على لسانك، فاعلم يقيناً أن الله يعزيك في بليتك، واعلم حق اليقين أن الله جل جلاله هو الذي يداوي جرحك.
بيان التوثيق العلمي
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (رسالة هامة لكل قلب كسرته المظالم)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الرضا وتوحيد الأفعال: كيف يعزي الله المظلومين بالقرآن)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه الصفح الجميل وعقيدة الرضا في مواجهة المظالم: استنباطات من توجيهات الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (مقامات الصفح الجميل وشهود الأفعال: رحلة السالك من انكسار المظالم إلى جنة الرضا)التزكية والتصوف
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (أنا إنسان تعرضت لظلم شديد وأذى قاسٍ ممن حولي، حتى بت أشعر أن الكون بأسره يقف ضدي. قلبي يعتصر من الألم والانكسار، وأجد صعوبة بالغة في مسامحة من كسرني. أسمع عن ""الصفح الجميل"" ولكني لا أستطيع الوصول إليه، ف كيف يداوي الله جرحي؟ و كيف أرى أفعال الظالمين بعين الرضا واليقين دون أن أهلك في نار الحقد؟)الأسئلة
