السؤال
أنا إنسان تعرضت لظلم شديد وأذى قاسٍ ممن حولي، حتى بت أشعر أن الكون بأسره يقف ضدي. قلبي يعتصر من الألم والانكسار، وأجد صعوبة بالغة في مسامحة من كسرني. أسمع عن ""الصفح الجميل"" ولكني لا أستطيع الوصول إليه، ف كيف يداوي الله جرحي؟ و كيف أرى أفعال الظالمين بعين الرضا واليقين دون أن أهلك في نار الحقد؟
أنا إنسان تعرضت لظلم شديد وأذى قاسٍ ممن حولي، حتى بت أشعر أن الكون بأسره يقف ضدي. قلبي يعتصر من الألم والانكسار، وأجد صعوبة بالغة في مسامحة من كسرني. أسمع عن ""الصفح الجميل"" ولكني لا أستطيع الوصول إليه، فكيف يداوي الله جرحي؟ وكيف أرى أفعال الظالمين بعين الرضا واليقين دون أن أهلك في نار الحقد؟
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن الله سبحانه وتعالى، ذو الجلال والإكرام، لطيف بعباده المظلومين والمنكسرين. فحين يعزي الله العبد في عداوة عبد آخر، فإنه يفيض عليه بعطاء لا يحده وصف، ويجبر كسر المحبين المخلصين. يا ولدي، لو شعرت أن الكون كله ضدك، فالقاعدة الروحانية هي أن تسامح؛ فليس في العمر متسع لنقف أمام أحد خصوماً ونحاسب المخطئين. هيا بادر لتكون أول من يلبي النداء في الصفوف الأولى، وتلتحق بركب أهل القرآن. إن الله عز وجل يعزي عبده المبتلى بكلامه القديم، فتأمل يا ولدي كيف عزى الحق سبحانه وتعالى حبيبه المصطفى ﷺ في بلاء الكون، وفيمن ظلمه وآذاه، وكفر به ورماه بالباطل وقال عنه ""ساحر"" و""أبتر"". لقد أنزل عليه قرآناً يقرؤه ليكون له جبراً، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. وهنا نلمح الفقه الدقيق في الفرق بين العطاء والإيتاء؛ ففي سورة الكوثر قال الجليل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾؛ لأن ""أعطيناك"" تعني التمليك، فنهر الكوثر ملكية خاصة للحبيب المصطفى. أما القرآن العظيم، فهو كلام الله القديم غير المخلوق، ولذا قال ""آتيناك""، أي منحناك ما لا يُملك، ليكون القرآن لك عزاءً مستمراً. كلما وجدت أحداً يظلمك، فاقرأ الفاتحة وقل: ""ربِ أنا رضيت بعطيتك"". أما عن سؤالك عن ""الصفح الجميل""، فاعلم أنه عين المغفرة المطلقة التي لا عتاب فيها، وهو مقام لا يقدر عليه إلا الكُمَّل من الرجال. لم يقل الله لنبيه ""فاصفح"" وحسب، بل قال: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. وقد تجلى هذا المقام العالي في أبهى صوره يوم فتح مكة، حين ظن البعض أنه يوم للانتقام وقالوا: ""اليوم يوم الملحمة""، فرد عليهم المبعوث رحمة للعالمين ﷺ مصححاً هذا الفهم في الحديث الثابت في (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح): «لا، اليوم يوم المرحمة». هذا هو الصفح الذي نريدك أن تتخلق به لتنال عطية الله. ولذلك كان العارف بالله سيدي عبد القادر الجيلاني (ت: ٥٦١ هـ، سلطان الأولياء وتاج العارفين وإمام الطريقة القادرية) يقول دوماً: ""من أحبنا فهو لنا، ومن لم يحبنا فنحن له"". فمن أحبنا يا بخته بنا، ومن كرهنا فنحن دواء له نتحمله ونعالج أمراض قلبه. يا ولدي، سر الطمأنينة أن ترى الأفعال كلها من الله. فالأولياء المحققون ينظرون بعين البصيرة، ويتساءلون: من الذي ترك هذا الظالم يظلمني تقديراً؟ إنه الله، فلماذا؟ لكي يعديك قنطرة الحساب بلا ميزان، ولتمر على دائرة نورانية ينادى فيها: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فلو تكالبت الدنيا علينا ومعنا القرآن، فنحن في جنة أخرى لا يدركها أهل الغفلة. وقد عبر عن هذا المعنى الإمام أحمد بن عبد الحليم المشتهر بابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ، شيخ الإسلام وأحد كبار أئمة الحنابلة)، حيث نقل عنه تلميذه في (الوابل الصيب): ""أنا ماذا يفعل بي أعدائي، إن جنتي وبستاني في صدري، إن معي كتاب الله"". فإذا امتلأت حشاياك وطواياك بكلام الله، وصار يجري عذباً على لسانك، فاعلم حينها يقيناً أن الله يعزيك في بليتك، وأنه جل جلاله هو من يداوي جرحك.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (رسالة هامة لكل قلب كسرته المظالم)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الرضا وتوحيد الأفعال: كيف يعزي الله المظلومين بالقرآن)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه الصفح الجميل وعقيدة الرضا في مواجهة المظالم: استنباطات من توجيهات الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (مقامات الصفح الجميل وشهود الأفعال: رحلة السالك من انكسار المظالم إلى جنة الرضا)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (توثيق استنباطات الصفح الجميل وجبر الخواطر في ضوء الكتاب والسنة)التوثيق العلمي
