أسرار التوحيد في رفع الأعمال: عقيدة الفضل الإلهي ومكائد الشيطان في شهر شعبان | الدكتور جابر بغدادي
حقيقة علم الله المحيط وسر رفع الأعمال في شعبان
اعلم يا ولدي -أنار الله بصيرتك بأنوار اليقين- أن مدار عقيدة أهل السنة والجماعة يقوم على تنزيه الحق سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله. ومن هنا، حين يستمع العوام إلى قوله ﷺ بأن شهر شعبان "تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين"، قد يقع في أوهامهم القاصرة تساؤل تشبيهي: هل غاب عن علم الله ما قدمه العباد حتى يحتاج إلى رفع صحائفهم؟
إن العقيدة الراسخة التي يبثها فضيلة الدكتور جابر بغدادي تنفي هذا الوهم نفياً قاطعاً؛ فالحق سبحانه عليم أزلي، وعلمه محيط بالكليات والجزئيات، لا يتجدد له علم بحادث، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. إذن، لم يكن هذا الرفع الإلهي للأعمال علةً ليعلم الحق ما جُهل -حاشا جلاله العظيم- وإنما يرفعه سبحانه ليعرضه على فيوضات نظره وتجليات رأفته.
إن غاية الرفع يا بني هي مظهر من مظاهر "توحيد الفضل والرحمة"؛ حيث ينظر الرب الرحيم إلى أعمال العباد القاصرة، فيجبر نقصها، ويرفع العُجّاز وأهل العيوب والتقصير إلى رتب الكاملين والمقربين. إنه رفع ليرحم، ليتعطف، ليغفر، وليجبر كسر القلوب برأفته سبحانه. وتأمل كيف يتجلى هذا الأدب العِقدي في قول الحبيب المصطفى ﷺ: «فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم»⁽¹⁾؛ فالصيام هنا ليس علةً للإيجاب على الله، بل هو استمطار وتشريف لمقام الرفع بالعبودية الخالصة، بل إن ساداتنا العارفين أشاروا إلى رتبة أسمى في توحيد الشفاعة، وهي أن الحبيب ﷺ كأنما يقول: "يُرفع عمل أمتي وأنا في حالة الصيام والشغف بالحق"، ليكون صومه ﷺ جابراً لخلل صحائفهم.
---
توحيد الأفعال والفضل الإلهي: صيانة العقيدة من توهم الجبر
وهنا يجب أن نقف وقفة احترازية جليلة يا ولدي، لئلا تزل قدمك في مهالك الفهم السقيم. فإذا استشعرت أن الرفع والقبول وجبر النقص وتكميل العجاز هو محض فضل إلهي وتجليات ربانية تنزل على العباد، فلا يذهبن عقلك إلى مذهب "الجبرية" الخاطئ، فتظن أن العبد ريشة في مهب الريح لا كسب له ولا اختيار، وتتعلل بالقدر لتترك العمل!
إن حقيقة التوحيد المعتدل تجمع بين شهود الفضل لله، والالتزام بأدب العبودية؛ ولهذا كان من أدق توجيهات الشيخ في هذا المقام هو التنبيه على معنى البركة بقوله: "والبركة فيه ألا نحارب الله بمعاصيه، وأن نستعد لنستمد من تجليات الله". إن النهي عن محاربة الله بالمعاصي دليل قاطع على أن للعبد كسباً واختياراً، وإرادةً يُحاسب عليها. فالعبد هو الذي يختار الاستعداد والتعرض للنفحات، أو يختار الغفلة وموت الضمير.
إن الله عز وجل هو خالق الأفعال فضلاً وتكرماً، والعبد هو المكتسب لها طاعةً أو معصية. ولذلك، حينما حذرنا الشيخ من آفتي "الغفلة وموت الضمير" في شعبان، فإنه يحث فينا قوة العزيمة والكسب البشري المشحوذ بالهمة، مصداقاً للتوجيه النبوي: «إن لله في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها»⁽²⁾. فالحق سبحانه يفيض بالنفحات فضلًا، والعبد يتعرض لها كسبًا واختيارًا، وبذلك يستقيم ميزان العقيدة السنية بلا إفراط ولا تفريط.
---
الخصائص النبوية وعقيدة النيابة الشريفة عن الأمة
تأمل معي يا بني سراً من أسرار العقيدة في مقامات النبوة والولاية، وهو ما يعرف بـ "النيابة النبوية والخصائص العلية". فحين سأل الصحابي الجليل أسامة بن زيد (ت: ٥٤ هـ) (حِبُّ رسول الله) -رضي الله عنه- الحبيبَ ﷺ قائلًا: لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ أجابه ﷺ: «ذلك شهر يغفل عنه كثير من الناس بين رجب ورمضان»⁽³⁾.
إن غفلة الناس -يا ولدي- مدعاة لتنزل العقوبات، ولكن عقيدة النبوة تبرز هنا في أعظم مجالي الرحمة؛ فالنبي ﷺ لم يترك أهل الغفلة لغفلتهم، بل قام يصوم نيابة عن الأمة! إنه لسان حال الرحمة المهداة: "أصوم نيابة عن الغافلين لئلا ينقطع المدد عنهم". إن هذا الفعل الشريف يرسخ في قلب المريد عقيدة التعلق بالجناب النبوي؛ فهو ﷺ يجوع لتشبع أرواحنا باليقين، ويذكر الله متبتلاً مستغرقاً في دهر غفلتنا لئلا نهلك.
ولم يكن هذا الصيام النبوي الشريف من باب المَنّ والرياء -حاشا مقام النبوة الأقدس- بل هو تحقيق لخصائصه التي ميزه الله بها، إذ هو الحريص على المؤمنين، الرؤوف الرحيم بهم، الذي يؤمن بالله حق الإيمان ويؤمن للمؤمنين حمايةً وسترًا، كما نعته القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾⁽⁴⁾. فكلما تكاسلت يا ولدي أو غلبتك الغفلة، فتذكر صيام الحبيب ﷺ لأجلك، واستحضر كيف قام ﷺ دجى الليل حتى تورمت وتفطرت قدماه الشريفتان⁽⁵⁾ من أجل هذه اللحظة التي تعيشها؛ واجعل صلاتك عليه هي الحصن الحصين، والملاذ المتين الذي تُجبر به الأعمال الناقصة وتُرفع متوجة بالقبول؛ فإن الحق سبحانه إذا نظر في صحيفة العبد ووجدها معطرة بالصلاة على نبيه، قبلها غفراناً وتفضلاً.
---
عقيدة الشكر ومكائد الشيطان في إفساد التوحيد
وفي ختام هذا البيان العقدي المستفيض، اعلم يا ولدي أن شرف الأزمان مرتبط بشرف الأحوال القلبية، وشهر شعبان هو شهر "الشكر" والاعتراف بالمنعم الحقيقي. فالنبي ﷺ حين صام هذا الشهر نيابة عن الخلق، إنما أقامه في مقام شكر نعم الحق سبحانه المتواترة على العباد.
إن التوحيد الحق يوجب على العبد أن يرى النعمة من الله ظاهرة وباطنة، وأن ينسب الفضل للمنعم وحده سبحانه. وهنا يكمن مكمن الخطر العقدي المعاصر؛ فإن الشيطان اللعين لا يستهدف مجرد معصية عابرة، بل إن معركته الكبرى والوحيدة هي إفساد "دائرة الشكر" في قلبك، لأن إفساد الشكر هو إفساد لتوحيد القصد والاعتراف بالمنعم.
لقد توعد إبليس البشرية جمعاء، وأعلن غايته الخبيثة أمام رب العزة سبحانه وتعالى حين قال: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾⁽⁶⁾. فالشيطان يريدك أن ترى ركوعك وسجودك وطاعتك من كسبك ونفسك، لتقع في العُجب والشرك الخفي، أو يريدك أن تسخط عند البلاء لتكفر بالنعمة. فإذا فُتح لك يا بني باب طاعة في ظاهر أو سر، فاثبت في مقام الشكر، واعلم أن التوفيق للطاعة هو نعمة تستوجب شكراً آخر، وبذلك تتحطم مكائد الشيطان، وتتحقق حقيقة العبودية والتوحيد الخالص في شهر رفع الأعمال.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار رفع الأعمال في شهر شعبان ولماذا كان يصومه النبي؟ | الدكتور جابر بغدادي)المقالات
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (كيف أحمي نعمة الطاعة والرزق من مكائد الشيطان وإفساده؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (كيف أجبر غفلتي وتقصيري في طاعة الله خلال شهر شعبان؟)الأسئلة
