بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار رفع الأعمال في شهر شعبان ولماذا كان يصومه النبي؟ | الدكتور جابر بغدادي
أسرار رفع الأعمال في شهر شعبان ولماذا كان يصومه النبي؟ | الدكتور جابر بغدادي
تجليات رفع الأعمال في شعبان ورحمة الخالق
إنه لشهر مبارك، تُرفع فيه صحائف الأعمال إلى رب العالمين. ولعلك تتساءل يا ولدي وتتفكر في هذا الرفع الإلهي؛ فهل يخفى على الحق سبحانه ما قدمت أيدينا من أعمال حتى تُرفع إليه؟ حاشا لله، فهو العليم الخبير، ولم يكن هذا الرفع ليعلم ما جهل، سبحانه، بل إنما يرفعه إليه ليسبغ عليه من فيوضات نظره، فيترقى به العُجّاز وأهل النقص إلى رتب الكاملين، وتتنزل عليهم رحماته، ومغفرته، وعظيم تعطفه.
فهل تدرك يا بني سر رفع الأعمال في هذا الشهر؟ إنه، والله، من باب جبر الخواطر بالرأفة الإلهية واللطف الرباني. وتأمل معي كيف عبر عن هذا المعنى سيد الوجود ﷺ حين قال: «فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»⁽¹⁾، ليتشرف هذا الرفع العظيم بمقام الصيام ومزيته. بل إن من أهل الله وساداتنا العلماء من أشار إلى مقام أعمق، فقال إن قوله ﷺ "يُرفع عملي" إشارة إلى رفع أعمال أمته بأسرها وهو في حالة الصيام، ليكون لهم ظهراً وسنداً.
---
شَعّ وبَان.. أسرار التسمية واستمداد البركة
إن شهر شعبان شهر عظيم القدر، جليل السر، حتى إن حرف الشين في بدايته يشير في مقامات القوم إلى "الشكر". ولقد كان العارفون بالله يقولون في اشتقاق اسمه: "شَعّ وبَان"، أي شَعّ فيه نور الله وخيره، وبَانَت فيه الأنوار وتجلت. ولكن، لمن تتجلى هذه الأنوار يا ولدي؟ إنها تبين وتتضح لمن عرف قدر شهر رجب الذي يسبقه.
ولذلك كان الحبيب المصطفى ﷺ يطلب من ربه البركة في هذا الزمان، والبركة الحق هي ألا نحارب الله عز وجل بمعاصيه، وأن نتهيأ بقلوبنا لنستمد من فيوضات وتجليات الحق التي تنزل على قلب حبيبه المصطفى ﷺ، مصداقاً لدعائه الشريف: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان»⁽²⁾. لقد كان المصطفى يربينا بهذا على أن نحيا الحياة في سبيل الله كعبادة خالصة، غايتها أن ننشد ونحصل أكبر قدر من التجلي الإلهي. ولما كان التوجيه النبوي ينادينا: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها»⁽³⁾، فإني أوصيك يا ولدي في شهر شعبان أن تحذر من آفتين مهلكتين: الغفلة، وموت الضمير.
---
صيام النبي ﷺ.. جبر لغفلة الأمة
وكيف كان طبيب القلوب ﷺ يعالج داء الغفلة هذا؟ لقد كان يكثر فيه من الصيام. فقد روى الصحابي الجليل أسامة بن زيد (ت: ٥٤ هـ) (حِبُّ رسول الله) -رضي الله عنهما- قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فأجابه المعلم الأكبر ﷺ قائلاً: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان»⁽⁴⁾.
قد يتبادر إلى ذهنك يا ولدي: وما شأن النبي بغفلة الناس؟ فليغفلوا إن شاؤوا، فنحن لسنا بغافلين، فلماذا كان يصوم صلوات الله عليه؟ إن لسان حاله الشريف وكأنه يقول: إنني أصوم نيابة عن هؤلاء الغافلين. عن قلبه حجب الغفل ألا يثير هذا الفعل النبوي في قلب الغافل -حين يعلم ذلك- حياء يدفعه للإكثار من الصلاة على سيدنا رسول الله فتنزاحة؟ إنه، بأبي هو وأمي، يجوع لكي نشبع نحن، ويذكر الله قائماً لننعم نحن بنومنا. ولم يكن صيامه منة يتفضل بها على أهل الغفلة، حاشاه، بل كان يصوم لأن من أخص خصائصه ﷺ أنه يؤمن بالله حق الإيمان، ويؤمن للمؤمنين ويكون شفيعاً لتقصيرهم، مصداقاً لوصف القرآن له: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾⁽⁵⁾.
---
الملاذ الآمن.. الصلاة على النبي لجبر النقص
لقد صام سيدنا رسول الله ﷺ ونحن في غياهب الغفلة ساهون، فكلما هجمت على قلبك الغفلة يا بني، تذكر صيامه عنك وأنت غافل، وكلما مرت بك ساعة تكاسلت فيها عن الطاعة، استلهم صورة قدميه الشريفتين وقد تورمتا من طول القيام⁽⁶⁾ لأجل أن تنجو أنت في هذه اللحظة.
فإذا استشعرت ذلك، فأكثر من صلاتك على سيدنا رسول الله؛ لأنها الملاذ الأعظم والحصن الأكرم الذي تُجبر به الأعمال الناقصة، وبها تُرفع إلى الله رفعاً كاملاً يليق بجلاله، فينظر الحق سبحانه إلى صحيفتك، فإن وجد فيها صلاة على حبيبه ومصطفاه، غفر لك زلاتك، وقبل عملك إكراماً لمن صليت عليه.
---
شهر الشكر ومكائد الشيطان
إن شهر شعبان هو شهر الشكر بامتياز. فحينما صام سيدنا النبي ﷺ هذا الشهر ليعفو عن كل غافل من أمثالنا، كان يصومه على كمال المن والعطاء، كان يصومه نيابة عن الخلق، تحقيقاً لشكر نعم الحق النازلة على الخلق.
ولذا أقول لك يا ولدي: متى فتح الله لك باباً من أبواب فضله، سواء في ظاهرك أو في باطنك، فاحرص غاية الحرص وركز على مقام "الشكر". فإن إبليس اللعين ليس له من شغل شاغل إلا أن يفسد عليك دائرة الشكر هذه، ليقطعك عن المنعم. ألم تقرأ كيف توعدنا هذا العدو حين قال لرب العزة: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾⁽⁷⁾؟
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار التوحيد في رفع الأعمال: عقيدة الفضل الإلهي ومكائد الشيطان في شهر شعبان | الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (كيف أحمي نعمة الطاعة والرزق من مكائد الشيطان وإفساده؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (كيف أجبر غفلتي وتقصيري في طاعة الله خلال شهر شعبان؟)الأسئلة
