Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية

أسرار الاكتفاء ومقامات اليقين: قراءة سلوكية لقوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾

مقال روحي بليغ يغوص في معاني "علم السلوك والتزكية" من نفحات الدكتور جابر بغدادي، يعالج أمراض التعلق بالخلق، ويصحح أوهام العُجب المبطن، ليرتقي بالسالك من حضيض الغفلة إلى مقام الإحسان واليقين بالله وحده.

مقام الاكتفاء والتحرر من رق الأغيار يا ولدي، إن السالك في طريق الله يدرك يقيناً أن التصوف السني المعتمد ليس طقوساً جوفاء، بل هو إحياء لروح العبادات وتجلٍ لمعاني "مقام الإحسان".
واليوم نقف أمام نفحة ربانية عظيمة وتوجيه سلوكي فريد استنبطه فضيلة الدكتور جابر بغدادي من قوله جل وعلا: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾⁽¹⁾.
لقد جرت عادة العوام والمحجوبين أن يتلقفوا هذه الآية الكريمة ليحصنوا بها أنفسهم من شر جارِ سوء، أو ليدفعوا بها كيد ساحر ماكر، أو ليتقوا بها عين حاسدٍ ظالم.
ولا ريب أن القرآن شفاء وحصن، ولكن العارفين وأهل التزكية يرتقون بالآية إلى ما هو أسمى من ذلك.
فهذه الآية يا ولدي هي درع التوحيد، وسيف اليقين الذي يقطع دابر التعلق بغير الله؛ فهي تلزمك أدب العبودية فلا تطلب غير مولاك، ولا ترجو من دونه أحداً، ولا تعقد آمالك على مخلوق فانٍ مثلك.
طب القلوب وعلاج داء التعلق بالخلق إن النفس الأمارة بالسوء كثيرة التلفت إلى الأسباب، فإذا ما اشتدت بك الخطوب، ووسوس لك عقلك المادي ودفعك قائلاً: امضِ إلى فلانٍ من الناس، وتذلل له ليمدك ببعض دراهم تقتات بها وتصرف منها في حوائجك؛ فهنا يبرز دور التزكية العملية.
إن هذا النداء الرباني هو "الترياق المجرب" الذي يداوي القلب متى ما اعتراه داء التعلق بالناس.
اقبض يا ولدي على جمر يقينك، وخاطب قلبك المضطرب بلسان العارف الواثق، واردد وساوس العقل بصرامة قائلاً: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ فالمؤمن الحق يعلم أن الشكوى لغير الله مذلة، وأن إراقة ماء الوجه لغير الخالق تنافي كمال التوكل، مصداقاً لتوجيه نبينا الأكرم في التحذير من إنزال الفاقات بالخلق⁽²⁾.
تناغم الشريعة والحقيقة: إجابة الجوارح ونداء الأسرار هنا تتجلى القاعدة الذهبية للتصوف السني المعتدل: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة".
فالشيخ لا يدعوك إلى التواكل وترك السعي، بل يدعوك إلى تفريغ القلب لله مع إعمال الجوارح في الأسباب.
دع جوارحك الساعية الممتثلة للأمر الشرعي تنطق بلسان الخضوع قائلة: "بلى يا رب"، ودع أسرارك الباطنة تفيض بالتسليم التام قائلة: "بلى".
اجعل سرك الدفين المستتر في سويداء قلبك يناجي خالقه في خلواته، صادحاً بالافتقار المطلق ليقول: "بلى يا رب، حسبي أنت، وكفايةٌ أنت عليّ".
إن هذا التناغم بين ظاهرٍ يلتزم الشريعة، وباطنٍ يسبح في أنوار الحقيقة، هو عين ما قرره أئمة السلوك كالإمام الغزالي في بيان حقيقة التوكل⁽³⁾.
حقيقة العبودية: مقام الحب وفاء واكتفاء يا ولدي، إن أسرار هذا النداء الرباني تتسع لتشمل حقيقة العبودية في أبهى صورها.
فمتى صرت عبداً حقيقياً متجرداً لله، أدركت يقيناً بقلبك أن المحبة الإلهية تقوم على ركنين: "الوفاء والاكتفاء".
أن تفي بعهد الله وتكاليفه، وأن تكتفي به عمن سواه.
وقد لخص أئمة التزكية والعارفون هذا المعنى الجليل في مقولة سلوكية بديعة أشار إليها الشيخ: "جُدْ بما منك إلينا، لنجود بما منا عليك"⁽⁴⁾.
أي قدّم كمال الذل والافتقار والالتزام بما أمرت به، ليفاض عليك من كمال العز واللطف والكفاية الربانية.
فالمدد مرهون بالاستعداد، والمواهب تأتي على قدر الوفاء بالواجبات.
مجاهدة النفس وعلاج العُجب المبطن بوهم الحسد ثم ينتقل التوجيه السلوكي للشيخ إلى تشخيص مرض خفي من أمراض القلوب، ألا وهو "الكبر والعُجب" المتستر خلف ستار الخوف من الحسد.
لقد ضاق فهم العوام عن سعة الآية، فظنوا أن الكون كله مسخر لحسدهم ومراقبة أحوالهم.
ويوجه الشيخ خطابه التربوي المزلزل لهذا العُجب المبطن متسائلاً: أتحسب يا مسكين أنه لم يبق في هذا الكون الفسيح سواك؟ وهل تفرغت أنظار العالم بأسره لتحسدك؟ إلامَ هذا التعظيم الزائف للنفس، وتضخيم حكاياتك الموهومة؟ ثم يسأل مستنكراً بصوت المربي الذي يوقظ الغافلين ليردهم إلى مقام "النفس اللوامة": على أي شيءٍ يحسدوننا؟ أنُحسَد على تراكم الذنوب، وكثرة العيوب، والتفريط في جنب الله؟! إن التزكية الحقيقية يا ولدي توجب على السالك أن يشتغل برؤية عيوبه، ومحاسبة نفسه على تقصيرها، بدلاً من اتهام الناس بحسده.
فمتى عرف الإنسان قدر نفسه، وتطهر من الكبر وحب الظهور، استراح قلبه، واكتفى بربه، ولسان حاله يردد مع كل نَفَس: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة