Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

فقه القلوب وأحكام الاعتماد على الخالق: قراءة فقهية في سر ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾

مقال فقهي بليغ يستنبط من توجيهات الدكتور جابر بغدادي أحكام "فقه القلوب" والتعامل مع الأسباب، مصححاً مفاهيم العوام حول سؤال الناس، وأوهام الحسد والسحر، بلغة أدبية رصينة تحذر من التواكل والتعلق بغير الله.

مقدمة في فقه القلوب والتعلق بمسبب الأسباب يا ولدي، إن الناظر في نصوص الشريعة الغراء يدرك يقيناً أن الفقه لا يقتصر على حركات الجوارح الظاهرة من ركوع وسجود وأحكام للبيوع فحسب، بل إن هناك فقهاً أدق وأعمق هو مدار القبول عند رب العالمين، ألا وهو "فقه القلوب".
واليوم نستنبط من درر كلام الدكتور جابر بغدادي أحكاماً فقهية باطنية وسلوكية، مستمدة من قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾⁽¹⁾.
فإلى أي وجهٍ يا ولدي نَصرفُ هذا النداء الرباني في ميزان الفقه الإسلامي؟ هل نقف به عند الظاهر المألوف الذي يتداوله الناس، من اتخاذه وِرداً لدفع أذى الحاسدين، أو حرزاً لرد كيد الساحرين؟ كلا يا ولدي، فالأمر في شريعتنا أجلّ، والفقه فيه أعمق.
إن حقيقة هذه الآية أن تؤسس في قلبك حكماً شرعياً جازماً: ألا تطلب غير مولاك، ولا ترجو من دونه أحداً، ولا تُعلق نياط قلبك بمخلوق سواه، فتعصم قلبك من محظور الالتفات لغير الله.
الحكم الشرعي لسؤال الناس والتذلل للخلق إن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ كرامة الإنسان وصيانة ماء وجهه، ومن هنا تتجلى مسألة فقهية في غاية الأهمية أشار إليها الشيخ محذراً من وساوس النفس.
فحينما يزين لك عقلك المادي، ويدفعك بهواجسه قائلاً: امضِ إلى فلانٍ من الناس، واسأله دراهم معدودة نقتات بها ونصرف منها في حوائجنا؛ فهنا يتدخل فقه هذه الآية ليقرر حكماً شرعياً جليلاً، وهو تحريم أو كراهة سؤال الناس من غير ضرورة قاهرة تُبيح ذلك.
إن هذه الآية الكريمة تداوي القلب متى ما اعتراه داء التعلق بالناس والتذلل لهم.
فإذا ما مالت بك الأهواء، وضعفت عزيمتك، فاقبض على جمر يقينك، وخاطب قلبك بلسان الحال والمقال، واردده عن غيه بصرامة الفقيه العارف قائلاً: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ فالمؤمن الفقهي الحق يعلم أن ماء الوجه لا يُراق إلا لله، مصداقاً لما صح عن النبي الأكرم في التشديد على النهي عن المسألة لإراقة ماء الوجه لغير كافينا ومولانا⁽²⁾.
التدابير الاحترازية: فقه الأخذ بالأسباب مع تفريغ القلب وهنا يا ولدي لابد من وقفة فقهية احترازية دقيقة وحازمة، حتى لا يزل الفهم أو يقع القارئ في وهدة التواكل المذموم وترك العمل، وهو ما ينافي مقاصد الشريعة.
إن الفقه الصحيح الذي يوجهنا إليه الشيخ لا يعني أبداً ترك السعي في مناكب الأرض، أو تعطيل الأسباب الشرعية والمادية التي أمرنا الله بها.
فالكسب والعمل لإعفاف النفس فريضة فقهية.
إنما التوجيه هنا ينصب على "تفريغ القلب من الاعتماد على السبب"، لا "ترك السبب بالجوارح".
فمن الفقه المعتدل أن تسعى ببدنك وتكدح، ولكن سرك الدفين من الداخل، ويقينك الباطن ينادي بصدق: بلى يا رب، حسبي أنت وكفى، ولا غنى لي عنك.
فالعمل والسعي طاعة لله بالجوارح امتثالاً للأمر، والتوكل والاكتفاء طاعة لله بالقلب استسلاماً للقدر، ولا تعارض بينهما في فقه السادة العارفين⁽³⁾.
فقه العبادة بين إجابة الجوارح ونداء الأسرار دع جوارحك تنطق بالخضوع والإقرار قائلة: "بلى"، ودع أسرارك الباطنة تفيض بالتسليم قائلة: "بلى".
هذا هو تمام الفقه يا ولدي؛ أن يتوافق الظاهر مع الباطن، فلا تكون صلاة الجوارح خالية من خشوع القلب.
فالعبودية في فقه المحبين ليست مجرد قوالب حركية خاوية، بل هي كما أشار الشيخ بعبارة بليغة: حقيقتها الوفاء التام والاكتفاء المطلق.
وكما يُروى في معارج القوم وأذواقهم من أئمة التربية والتزكية: "جُدْ بما منك إلينا، لنجود بما منا عليك"⁽⁴⁾؛ فمتى وفيت بحق التكليف الفقهي الشرعي الذي طُلب منك بأمانة وإخلاص، أفاض الله عليك من بحار الكفاية والمدد التي وعدك بها، فصار الجزاء من جنس العمل.
فقه التعامل مع الحسد وتصحيح أوهام العوام ثم ينتقل الشيخ بنا إلى مسألة فقهية مجتمعية غاية في الخطورة، ألا وهي هوس العوام بمسائل السحر والحسد.
لقد تلقف عوام الناس هذه الآية الكريمة على محمل قاصر، فظنوا أن غايتها ومبتغاها أن تكفيهم شر جار السوء، أو تدفع عنهم كيد ساحر ماكر، أو ترد عين امرأة حاسدة ظالمة.
إن الفقه الإسلامي يقر بوجود الحسد ويشرع الرقية، لكنه يرفض قطعاً أن يصبح الإنسان أسيراً لهذه الأوهام.
ويا عجباً لحال هذا الإنسان! أويظن أحدكم يا ولدي أنه لم يبق في هذا الكون الفسيح سواه؟ وهل تفرغ العالم بأسره ليحسده؟ إلامَ هذا التعظيم الزائف للنفوس، وتضخيم الحكايات الواهمة؟ ثم دعني أسألك مستنكراً بصوت الفقه الذي يوقظ الغافلين: على أي شيءٍ يحسدوننا؟ أنُحسَد على تراكم الذنوب، وكثرة العيوب؟! إن الفقه الأكبر هو فقه محاسبة النفس، ورؤية تقصيرها، واللجوء إلى كفاية الله المطلقة، متطهرين من رجس الكبر والتعلق بالخلق.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة