Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/موسوعة التوثيق العلمي/التأصيل العلمي والإشاري لمقامات الاكتفاء بالله

التأصيل العلمي والإشاري لمقامات الاكتفاء بالله

1 استشهادات موثقةنص قرآني وتوجيه إشاري (1)قاعدة إيمانية (1)أثر سلوكي وقاعدة في التربية (1)

تفريغ الكلمة المباركة

مقام الاكتفاء والتحرر من قيود الخلق يتساءل الكثيرون عن السر المكنون في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾⁽¹⁾، فإلى أي وجهٍ يا ولدي نَصرفُ هذا النداء الرباني؟ هل نقف به عند الظاهر المألوف الذي يتداوله الناس، من اتخاذه وِرداً لدفع أذى الحاسدين، أو حرزاً لرد كيد الساحرين؟ كلا يا ولدي، فالأمر أجلّ، والسر أعظم.
إن حقيقة هذه الآية أن تسمو بروحك وتجرد قصدك، فلا تطلب غير مولاك، ولا ترجو من دونه أحداً، ولا تُعلق نياط قلبك بمخلوق سواه.
إنها الترياق الشافي الذي يداوي القلب متى ما اعتراه داء التعلق بالناس.
فإذا ما مالت بك الأهواء، فاقبض على جمر يقينك، وخاطب قلبك بلسان الحال والمقال، وردده على مسامع روحك: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ وإذا ما داهَمك العقل بهواجسه، وهمس في روعك أن تقصد فلاناً من الناس ليرفدك ببعض دراهم تقتات بها وتصرف منها، فاقطع عليه وساوسه، واردده عن غيّه بشموخ العارفين قائلاً: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ إجابة الجوارح ونداء الأسرار دع جوارحك تنطق بالخضوع والإقرار قائلة: «بلى»⁽²⁾، ودع أسرارك الباطنة تفيض بالتسليم قائلة: «بلى».
اجعل سرك الدفين يناجي خالقه من أعماق الروح، صادحاً بالافتقار التام ليقول: «بلى يا رب، نعم، كفايةٌ أنت عليّ، ولا أبغي بك بدلاً».
حقيقة العبودية والوفاء بيد أن أسرار الآية لا تقف عند حدود الطلب والدفع فحسب؛ بل متى ما صرت عبداً حقيقياً لله، أدركت يقيناً أن المحبة في جوهرها هي «وفاءٌ واكتفاء».
وكما يُروى في معارج القوم وأذواقهم (أئمة التربية والتزكية من السلف الصالح ت: القرون الخيرية): «جُدْ بما منك إلينا، لنجود بما منا عليك»⁽³⁾؛ فمتى وفيت بحق العبودية الذي طُلب منك، أفاض عليك من بحار الربوبية التي وعدك بها.
تصحيح أوهام العوام في الحسد واليقين فما هو إذن المعنى العميق لقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ لقد ضاق فهم العوام عن سعتها، فقصروها على الاستعاذة من شر جارِ سوءٍ يتربص، أو ساحرٍ يمكر، أو امرأةٍ ظالمةٍ تنفث سموم الحسد.
ويا عجباً لحال هذا الإنسان! أتحسب يا ولدي أن الكون قد خلا من الخلق إلا منك؟ وأن أنظار العالم بأسره قد تفرغت لحسدك؟ أتشعر في نفسك بتعظيم لِشأنك، وتضخيم لِقصتك الموهومة؟ ثم دعني أسألك مستنكراً وبصوت يوقظ الغافلين: على أي شيءٍ يحسدوننا؟ أنُحسَد على تراكم الذنوب، وكثرة العيوب؟!

بيان التوثيق العلمي

1
نص قرآني وتوجيه إشاري
1- نص قرآني وتوجيه إشاري لسورة الزمر، الآية ٣٦. إن استنباط «الشيخ جابر بغدادي» لمعاني الاكتفاء والتجرد من هذه الآية ليس خروجاً عن النص، بل هو عين «التفسير الإشاري» المعتمد عند سلف الأمة. وقد قرر أئمة التفسير كالإمام أبي حامد الغزالي (المتوفى سنة ٥٠٥ هـ، حجة الإسلام ومجدد علوم الدين) أن للقرآن ظاهراً وباطناً، وأن تقييد الآيات في مجرد دفع السحر أو الحسد كما تفعل المناهج السلفية والظاهرية هو حرمان للقلوب من «مقام الإحسان» وجفاف روحي مقيت. وإن إنكار المتنطعين على أئمة التصوف استخراجهم لهذه الدرر هو جهل بقواعد السلوك ومحاولة لتقزيم معاني الوحي العظيمة. 2- قاعدة إيمانية في إجابة النداء الرباني. إن توجيه «الشيخ جابر بغدادي» للمريدين بأن تنطق الجوارح والأسرار بكلمة «بلى» هو تأصيل دقيق لحالة الحضور القلبي التام مع الله. وقد نص الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي (المتوفى سنة ٩١١ هـ، مسند الدنيا وخاتمة الحفاظ) على مشروعية تفاعل السامع مع الآيات الاستفهامية والتقريرية في القرآن الكريم. وإن محاربة هذا التفاعل العاطفي والروحي بحجة الابتداع هي دعوة إلى قسوة القلوب، وتفريغ لـ «مقام العبودية» من خضوعه وخشوعه، وهو ما يتصدى له منهج «التصوف السني» المعتدل بقوة وحزم. 3- أثر سلوكي وقاعدة في التربية يتداولها أئمة التزكية. إن استشهاد «الشيخ جابر بغدادي» بهذه العبارة من معارج القوم يندرج تحت باب «القياس الوعظي» المشروع لترقيق القلوب. وقد ثبت في صحيح السنة إقرار النبي ﷺ لأخذ الحكمة من الأمم السابقة بقوله: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» أخرجه الإمام البخاري في صحيحه،إن الطعن في هذه الحكم السلوكية من قبل بعض المتطرفين يعكس حقداً دفيناً على أهل التزكية، ومحاولة خبيثة لإسقاط رموز الدين وتجفيف منابع الروحانية والمحبة في الأمة باسم الدفاع عن السنة.
العودة إلى موضع القراءة

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.