تجريد النفس وكمال الأدب مع الله: أسرار التواضع في قصة نبي الله سليمان
اعلم يا ولدي، رزقني الله وإياك الفهم عن الله، أن مدار طريق القوم من سادتنا الصوفية قائم على التمسك بالكتاب والسنة، فلا طريق إلى الله إلا باقتفاء أثر رسول الله ﷺ ظاهراً وباطناً. وتلك هي القاعدة الذهبية التي سطرها سيدي الإمام أبو القاسم الجنيد البغدادي (ت: ٢٩٧ هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين)، حيث أرسى دعائم المنهج بقوله: 'طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة' `(الرسالة القشيرية)⁽¹⁾`.
فكل حقيقة باطنة لا تشهد لها الشريعة الظاهرة بالصحة فهي زندقة ووهم. فالزهد، والتوكل، والمجاهدة، ليست إلا إحياءً لروح العبادات المفروضة، وتعميقاً لسر التقوى في القلب. ومن هذا المعين الصافي، يطالعنا شيخنا العارف فضيلة الدكتور جابر بغدادي بلمحة ذوقية بديعة، وإشارة سلوكية عميقة، يستنبطها من قصة نبي الله سليمان عليه السلام مع مملكة سبأ. فبينما يعتاد ملوك الدنيا على الاستطالة بالألقاب وتضخيم 'النفس الأمارة' عند مكاتبة نظرائهم، مقدّمين أسماءهم بعبارات الجلالة والفخامة والتعظيم، نرى سيدنا سليمان يسطر نموذجاً فريداً في 'التجريد' وإنكار الذات، حيث يخبرنا المولى عز وجل عن كتابه قائلاً: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ `(سورة النمل: ٣٠)⁽²⁾`.
تأمل يا ولدي كيف جرّد نبي الله نفسه من كل لقب دنيوي، وذكر اسمه مجرداً، ثم أردف ذلك بوصف ربه مقدماً البسملة باسم 'الله' الرحمن الرحيم. وهذا هو 'كمال الأدب مع الملك جل جلاله'. إن السالك المتبصر في طريق التزكية يتعلم من هذا المشهد كيف يعالج أمراض القلوب الفتاكة كـ 'الكبر' و'الرياء' و'حب الظهور'، فلا يرى لنفسه مقاماً ولا حالاً، بل يعلم يقيناً أنه عبد مفتقر إلى مولاه في كل لحظة. ثم يرتقي بنا فضيلة الدكتور جابر بغدادي إلى مشهد أعظم في قمع 'العُجب' و'الاعتماد على الأسباب'. فحين جمع سيدنا سليمان وزراءه وعلماءه وأولياء زمانه طالباً إحضار عرش بلقيس، تبارى الحضور في إظهار قدراتهم وما أوتوا من قوة؛ فقال عفريت من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وقال الذي عنده علم من الكتاب (وهو آصف بن برخيا، وزير سليمان وكاتبه): أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. هنا تتجلى حقيقة 'الافتقار إلى الله' و'شهود المنة'. فبينما استعرض كل واحد منهم قدرته وإمكانياته، كان سيدنا سليمان غارقاً في بحار التوحيد الصافي. ولما رأى العرش مستقراً عنده، لم تغلبه الغفلة، ولم يقل: هذا بفضل علمي، ولا بقوة جنودي، ولا بسطوة ملكي، بل تبرأ من حوله وقوته ونسب الفضل لصاحبه قائلاً: ﴿قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر﴾ `(سورة النمل: ٤٠)⁽³⁾`.
لقد غلب نبي الله سليمان قدرات الجن والأولياء في زمانه بكمال أدبه مع الله. كان، كما يصفه فضيلة الدكتور، في حالة من الخضوع والسجود التام، قلباً وقالباً، وهو جالس على كرسي الملك، خاضعاً ذليلاً لصاحب العرش سبحانه. وهذا هو دأب العارفين؛ أبدانهم في الدنيا تدير شؤون الخلق وتقوم بحق الشريعة، بينما قلوبهم ساجدة في محراب 'الحقيقة'. ومصداق هذا المعنى في شريعتنا الغراء ما أخبرنا به الحبيب المصطفى ﷺ: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» `(صحيح مسلم)⁽⁴⁾`. وهنا، يا ولدي، نرد بقوة واثقة على أولئك المتنطعين الذين يرمون التصوف السني بالبدعة والتجاوز، ويرفضون التوسل والمحبة ومجاهدة النفس. نقول لهم: أليس هذا التجريد والشهود هو جوهر 'مقام الإحسان' الذي بيّنه النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: «أن تعبد الله كأنك تراه» `(صحيح البخاري ومسلم)⁽⁵⁾`؟ إن التصوف السني المعتمد هو مدرسة رسول الله ﷺ في علاج أمراض الصدور، وترقية العبد من قسوة 'النفس الأمارة بالسوء' إلى يقظة 'النفس اللوامة'، حتى تفيض عليها أنوار الرضا لتغدو 'نفساً مطمئنة' لا تشهد في الوجود فاعلاً بحق إلا الله، متحلية بـ 'الأدب التام' مع الخالق والمخلوق.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (ما من عبد تواضع لله إلا رفعه: أسرار كمال الأدب في قصة سليمان عليه السلام)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة التجريد ورد الفضل للمجيد: قراءة عقدية في مقام نبي الله سليمان)العقيدة
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (ما من عبد تواضع لله إلا رفعه)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (سر الانتصار على كبرياء النفس: كيف أجرد قلبي من العجب وأرد الفضل للمنعم؟)الأسئلة
