Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
التزكيةسؤال من سائل حائرالسؤال رقم 1

السؤال

سر الانتصار على كبرياء النفس: كيف أجرد قلبي من العجب وأرد الفضل للمنعم؟

أنا شاب أجتهد في عملي ودراستي، وكلما حققت نجاحاً أو تفوقت على أقراني، أجد في نفسي نشوة خفية وإعجاباً بقدراتي وذكائي. رغم أنني أقول بلساني "الحمد لله"، إلا أن قلبي من الداخل ينسب الفضل لجهدي وتعبي وسهري. أخاف أن يكون هذا العجب الخفي كبراً يحبط عملي ويحجبني عن ربي.

كيف أكسر هذا الصنم الداخلي؟ وكيف أصل إلى مقام التواضع الحقيقي الذي يجعل قلبي ساجداً لله حتى وأنا في قمة نجاحي الدنيوي؟ أشعر بحيرة وألم من هذه الازدواجية بين لساني الشاكر وقلبي المعتز بنفسه، فدلني يا سيدي المربي على طريق الخلاص.

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن هذا الوجع الذي تشعر به في قلبك، وتلك الحيرة بين نطق اللسان وحال الجنان، هي أولى خطوات اليقظة الروحية، ودليل على حياة قلبك، فالنفس البشرية بطبعها تميل إلى رؤية ذاتها والاعتزاز بجهدها، وهو الداء الخفي الذي حذرنا منه العارفون. يا ولدي، إن أردت دواء هذا العجب، فتأمل في حال الأنبياء والملوك الصالحين، ولنا في قصة نبي الله سليمان عليه السلام أعظم مدرسة في تجريد النفس وكسر كبريائها. سيدنا سليمان لم يكن مجرد نبي، بل كان ملكاً آتاه الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، ومع ذلك، تأمل كيف خاطب مملكة سبأ. في العرف الدنيوي، أي ملك عندما يكتب خطاباً يبدأ بتعظيم نفسه قائلاً: "من جلالة الملك المعظم، صاحب الجلالة والفخامة"، أليس كذلك؟ لكن سليمان عليه السلام بدأ رسالته بتجريد كامل للأنا، فقال كما حكى القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. لقد جرد نفسه من كل الألقاب والمقامات، ثم وصف ربه بالرحمة، وهذا من كمال الأدب مع الملك الحق سبحانه وتعالى.

وعندما أراد أن يُظهر آيات الله وقدرته لملكة سبأ، سأل حاشيته من الإنس والجن: "من يأتيني بعرشها؟"، فاستعرض كل منهم قدراته، فقال عفريت من الجن: "أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك"، وقال الذي عنده علم من الكتاب: "أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك". كل واحد منهم تحدث عن قدرته هو واستطاعته الذاتية، لكن سليمان كان يعلم يقيناً أن المرد والمآل لفضل الله وحده. فلما تحقق المراد، ورأى سليمان العرش العظيم مستقراً أمامه في لمح البصر، هل اغتر بملكه؟ هل قال إن هذا بفضل علمي أو سطوة جنودي أو قوتي؟ كلا يا ولدي، بل نطق بلسان العبد المفتقر وتبرأ من حوله وقوته قائلاً: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾. لقد غلب سليمان بكمال أدبه مع الله قدرات الجن وقدرات الأولياء في زمانه. هنا يكمن السر يا بني، سليمان عليه السلام كان في الظاهر يجلس على كرسي الملك والعرش، لكنه في الباطن كان في حالة خضوع وسجود تام، قلباً وقالباً، لصاحب العرش سبحانه.

وهذا مصداق الحديث النبوي الشريف: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» (أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، باب استحباب العفو والتواضع). يقول الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وأحد أئمة السلوك): "لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك، وافرح بها لأنها برزت من الله إليك". فنجاحك يا ولدي في عملك ودراستك ليس نابعاً من ذكائك المحض، بل هو توفيق محض ساقه الله إليك. كلما حققت إنجازاً، قف على باب الافتقار، وانظر إلى المنعم لا إلى النعمة، وقل بقلبك قبل لسانك: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾. اجعل قلبك ساجداً في محراب التواضع، فما من عبد تواضع لله إلا رفعه، ولا تتعلق بالأسباب فتنسى رب الأرباب، رزقنا الله وإياك كمال الأدب والافتقار بين يديه.

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.