بقلم: الشيخ جابر بغدادي
تأدبوا مع النعم حتى لا تزول.. حقيقة العبودية بين «عبد الفرج» ومقام «العبد الشكور»
تأدبوا مع النعم حتى لا تزول.. حقيقة العبودية بين «عبد الفرج» ومقام «العبد الشكور»
إيَّاكُم ورِشَا العِبَادَة..حَقِيقَةُ التَّوجُّهِ بَينَ «عَبدِ الفَرَج» وعَبدِ الله
يُحذِّرُنا ساداتُنا من أهلِ التَّحقُّقِ، وعلى رأسِهم الإمامُ ابنُ عطاءِ اللهِ السَّكندريُّ (ت: ٧٠٩ هـ) (تاجُ الدِّينِ ومُقنِّنُ التَّصوفِ الشَّاذليِّ) قائلين: "إيَّاكُمْ وأخْذَ الرِّشاءِ علَى العِبادَةِ"⁽¹⁾؛ فبئسَ السَّالكُ -يا ولدي- مَن لا يَعْبُدُ مولاهُ إلا لِعَرَضٍ زائلٍ يرتجيه، أو بَلاءٍ دُنيويٍّ يطلبُ كشفَه، حتى إذا ما نالَ سُؤلَهُ، وانقضَتْ حاجتُهُ، تلبَّسَ بقولِ الحقِّ جلَّ جلالُه: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾⁽²⁾.
فيا عجبًا لِحالِ هذا الإنسان! كأنَّ لسانَ حالِ العتابِ الإلهيِّ يقولُ لكَ: يا عبدي، أينَ صراخُكَ في جَنَباتِ المسجدِ حينَ كُنتَ في المَضيق؟ أفلَمَّا فُرِّجَتْ عنكَ ولَّيتَ؟ الله! إنْ كُنتَ كذلكَ فأنتَ إذًا "عبدُ الفَرَجِ"، ولستَ "عبدَ اللهِ"؛ فالعبدُ الحقُّ هو الذي يَثبُتُ في المِنحةِ ثباتَهُ في المِحنة.
المِيزَانُ الأَوفَى: مِرآةُ «أَفَلا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً»
وتأمَّلْ -يا بُنيَّ- في الميزانِ الأوفى، والنموذجِ الأسنى؛ سِراجِ العالَمينَ وقُرَّةِ عيونِ الموحِّدينَ ﷺ، حينَ كانت تراهُ أمُّ المؤمنينَ السيدةُ عائشةُ (ت: ٥٨ هـ) (فقيهةُ نساءِ الأمَّةِ وأحبُّ أزواجِ النَّبيِّ إليه)⁽³⁾ وقد قامَ من الليلِ يُناجي ربَّهُ حتى تَفَطَّرَتْ وتورَّمتْ قَدَماهُ الشريفتانِ، فتُشفقُ عليهِ وتقولُ لهُ: «يا رَسولَ اللَّهِ، أتَصْنَعُ هذا، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ؟»؛ فيُجيبُها الحبيبُ المصطفى بجوابٍ يختزلُ مَقاماتِ العبوديةِ كُلَّها قائلاً: «يا عائِشَةُ، أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»⁽⁴⁾.
إنني أُهيبُ بكَ -يا ولدي- أنْ تأخذَ هذا الردَّ النبويَّ البليغَ، فتجعَلَهُ نُصبَ عينيكَ، وتتَّخذَهُ مِرآةً صقيلةً تَعكِسُ عليها سائرَ أحوالِكَ، لِنَعيشَ في ظِلالِها خلالَ أيَّامِنا المُقبلةِ؛ تَزِنُ بها حركاتِكَ وسَكَناتِك، وتَعرِضُ عليها نَواياك.
مِحْرَابُ الشُّكْرِ اليَومِيِّ فِي زَوَايَا البُيُوت
هَلُمَّ بنا -يا ولدي- لِنُطالعَ هذا الدرسَ العظيمَ ونُذاكِرَهُ في خَلَواتِ بيوتِنا؛ فإذا ما وَقفتَ أمامَ خِزانةِ ثيابِكَ، فاكتُبْ عليها بمدادِ قلبِكَ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟"، وإذا ما فتحتَ بابَ مَؤونَتِكَ وثَلَّاجَةَ طعامِكَ ورأيتَ فضلَ اللهِ مَبسوطًا فيها، فاستحضرْ في سِرِّكَ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟"، بل وإذا ما طالعتَ خِزانةَ شهاداتِكَ، وأوسِمَتِكَ، ومَراتبِكَ الدنيويةِ التي حصَّلتَها بفضلِهِ، فاهتِفْ بروحِكَ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟".
زُهْدُ المَالِكِ..وَحَقِيقَةُ الغِنَى المَحَمَّدِيّ
واللهِ يا ولدي، إنَّ العَجَبَ لَيأخُذُ بالألبابِ حينَ نُدركُ أنَّ هذا الذي يَنطقُ بـ "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا" قد أسلمَ الروحَ إلى رفيقِها الأعلى، ودرعُهُ مَرهونةٌ عندَ يهوديٍّ⁽⁵⁾، وهو الذي لو شاءَ لَأجرى اللهُ لهُ الجبالَ ذهبًا، وهو القائلُ عن نفسِهِ: «أُوتِيتُ مَفاتِيحَ خَزائِنِ الأرْضِ»⁽⁶⁾؛ فكانَ يملكُ الدُّنيا بأسرِها، ويَقبِضُ على نَواصيها، ومعَ ذلكَ يبيتُ طاوِيًا زهدًا واختيارًا!
هذا النَّبيُّ الشَّكورُ هو عينُهُ الذي كانَ يَقِفُ في مِحرابِ الصَّلاةِ يُناجي ربَّهُ، والحجرُ مَعصوبٌ على بطنِهِ الشريفةِ⁽⁷⁾؛ يَشُدُّهُ بالعِصابةِ والحِزامِ لِيَكبحَ صُراخَ بطنِهِ من أَلَمِ المَخْمَصَةِ، ولِتَقوى صَلبَتُهُ على تَحمُّلِ شدَّةِ الجوعِ.
وهوَ عينُهُ الذي يَطرُقُ بابَهُ الضَّيفُ، فَيَبعثُ إلى حُجُراتِ نسائِهِ كُلِّهِنَّ يلتمسُ طعامًا يُقريهِ بهِ، فلا يَجدُ في بُيوتِ آلِ محمَّدٍ قاطِبَةً إلا الماءَ⁽⁸⁾!
فيا ولدي، خُذْ هذهِ الآيةَ الكريمةَ، واجعَلْها وِردَكَ، واذْهَبْ بها إلى خَلوتِكَ؛ فتأمَّلْها، وعِشْ في ظِلالِها، وذاكِرْ حقيقتَها في سُلوكِكَ، وتأدَّبْ مع النِّعمِ حتَّى لا تَزول.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (توحيد القصد وحقيقة العبودية.. قراءة عقدية في تحذير الدكتور جابر بغدادي من مقام «عبد الفرج»)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (أدب السلوك إلى ملك الملوك.. مقامات التزكية بين مَزلق «عبد الفرج» ومحراب «العبد الشكور»)الشريعة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه العبادات وأسرار النيات.. تأصيل شرعي في تحذير الدكتور جابر بغدادي من «أخذ الرشاء على العبادة»)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أدب السلوك إلى ملك الملوك.. مقامات التزكية بين مَزلق «عبد الفرج» ومحراب «العبد الشكور»)التزكية والتصوف
