بقلم: الشيخ جابر بغدادي
عبادة الطموح ومقامات النجاح: رؤية روحانية في عمارة الأرض
عبادة الطموح ومقامات النجاح: رؤية روحانية في عمارة الأرض
الطموح في محراب العبودية
إن الطموح يا ولدي في شريعتنا الغراء عبادة، والنجاح في مسالك الحياة عبادة، والصلاح في النوايا والأعمال عبادة. فحينما يتردد النداء العلوي في الآفاق: حي على الفلاح، فكأنه نداء رباني للروح يوقظها قائلاً: هلموا إلى ميادين النجاح والإنجاز! ولنا في توجيهات المصطفى ﷺ أسوة حسنة، إذ يقول فيما رواه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ): «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها»⁽¹⁾.
ولعلك تتأمل هنا بعين البصيرة متعجباً: ما الغاية من غرس نبتة صغيرة وقد دنت النهاية، وانقضت آجال الحياة، وطويت صحائف الوجود؟ والسر هنا يا ولدي يكمن في أن فعل الزرع ذاته مقام من مقامات العبودية لله، وتحقيق عملي لمراد الحق جل جلاله حين قال في محكم التنزيل: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾⁽²⁾. إننا نغرس تلك الفسيلة لتكون شاهدة لنا في غدنا بين يدي الله، حتى وإن لم يدركنا ثمرها ولم نقطف جناها؛ لتشهد بأنني حتى الرمق الأخير، وفي آخر لقطة من أنفاسي، كنت واقفاً بثبات على مراد الله مني، متعبداً له سبحانه بكل نفع وعمل صالح أقدمه للخلائق.
الاستمساك بسبل النجاح حتى الرمق الأخير
نحن أمة لا يخالط اليأس أرواحنا، ولا تُقاس هممنا بالانكسار، بل نعانق الطموح ونمضي معه حتى آخر قطرة من أعمارنا. وانظر بعين الاعتبار إلى حال سيدنا وحبيبنا رسول الله ﷺ حين دخل على عمه أبي طالب، وهو يجود بآخر أنفاسه، كما جاء في الصحيحين⁽³⁾، يستميله بحرص وشغف عجيب إلى أن ينطق بكلمة التوحيد ويسلم وجهه لله.
وما العبرة التي نستجليها من هذا الموقف المشهود لرجل يودع الدنيا؟ إنه درس نبوي بليغ يعلمنا أننا محكومون بالنجاح، ومطالبون بالسعي الدؤوب والمحاولة حتى آخر نبض في عروقنا وآخر نفس يتردد في صدورنا.
مقامات الكمال النبوي ومجانبة الكسل
وقد تتأمل ما أخرجه إمام المحدثين البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) من قوله ﷺ: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم». فقال أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة»⁽⁴⁾.
وقد يعمد بعض من قصر فهمه وغابت بصيرته، حين يرى طالباً يكدح في طلب العلم لنيل الدرجات الأكاديمية العليا "كالماجستير" وغيرها، إلى تثبيط همته قائلاً بغفلة واستهزاء: وما النفع في شهادات الماجستير وغيرها؟ لقد كان النبي راعياً للغنم وهو قاضي الأمم!
يا ولدي، إن هذا الفهم سقيم وإدراك قاصر؛ فمقام رعي الغنم في حق النبي ﷺ هو عين الكمال، بينما قد يكون في حق غيره مقام نقصان. لقد كانت تلك الرعاية مدرسة إلهية، اصطفاها الله لنبيه ليتعلم منها سياسة الصبر على طبائع الأمم. فبالله عليك تخيل؛ من أوتي الحكمة والقدرة الفائقة على سياقة وقيادة من لا يعقل من الدواب، كيف يبلغ كماله وعظمته حين يقود العقلاء من البشر!
بيد أن هذا المعنى الجليل لا يعني أبداً أن نركن إلى التقليد الظاهري، فنترك ميادين العلم والعمل والتطور لنتحول جميعاً إلى رعاة للغنم. كلا وحاشا؛ فديننا الحنيف ليس دين إخفاق وفشل، ولا يدعو إلى رذيلة الكسل، ولا يقر الإحباط، ولا يرتضي الجدل العقيم، بل هو دين السعي، والريادة، والنجاح، وعمارة الأرض بالخير والنور.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (النجاح عبادة.. كيف أجعل عملي الدنيوي خالصاً لله؟)الأسئلة
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (كيف أفهم حكمة النبي في رعي الغنم وهل يصح الاقتداء به في ذلك؟)الأسئلة
