السؤال
الاكتفاء بالأوراد وهجران القرآن: لماذا أشعر أن روحي مكتومة؟
أشكو إليك يا سيدي حال قلبي؛ فأنا محب ومجتهد في طريق الله، أواظب على أورادي اليومية من أذكار وصلوات، ولكني أجد في نفسي فتوراً شديداً عن تلاوة القرآن الكريم، حتى إني قد أهجره لأيام بحجة انشغالي بالأوراد. ورغم أنني أشعر بحلاوة الإيمان في باطني، إلا أنني أحس بأن روحي مكتومة، ولا أجد لأعمالي أثراً أو عطراً في سلوكي مع الناس. فهل يغني وِرد الذكر عن تلاوة القرآن؟ وكيف أطابق بين يقين قلبي وصلاح ظاهري؟
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن الانشغال بفضائل الأعمال عن أصولها من أعظم مكايد النفس ومزالق الطريق. إنك لترى عجباً في مسالك بعض السالكين؛ إذ ينكبون على أورادهم ويركزون جُل همهم عليها، ثم يتركون القرآن الكريم ويهجرونه! واعلم يقيناً أن القرآن العظيم هو وِرد كل الأوراد، ومفتاح كل سر، وإن هجران كتاب الله لهو حسرة وندامة تصيب القلب بالغفلة وتقطع عليه طريق الإمداد والترقي. ولكي تطمئن حيرتك وتُشخص داءك، دعنا نستلهم الدواء من كلام طبيب القلوب سيدنا رسول الله ﷺ. فقد أخرج الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري (المتوفى سنة ٤٤ هـ، المقرئ العالم والفقيه الزاهد)، أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ المُؤْمِنِ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ، رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها طَيِّبٌ، ومَثَلُ المُؤْمِنِ الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ، لا رِيحَ لها وطَعْمُها حُلْوٌ، ومَثَلُ المُنافِقِ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحانَةِ، رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها مُرٌّ، ومَثَلُ المُنافِقِ الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، ليسَ لها رِيحٌ وطَعْمُها مُرٌّ». تأمل يا ولدي هذا البيان المعجز؛ فالنبي ﷺ يربط في بيانه بين "الطعم" و"الريح". الطعم هو الباطن؛ حيث يستقر الإيمان، وتنعقد النوايا، وتصح العقيدة. وأما الريح فهو الظاهر؛ حيث تتجلى الأقوال والأفعال وتفوح الأخلاق. فالمؤمن الذي اتخذ القرآن ورداً وإماماً، تكون أحواله الباطنة صحيحة، وتكون بتلاوته أقواله وأفعاله الظاهرة صحيحة؛ فيتطابق باطنه مع ظاهره، ويكون كالأترجة أو "التفاحة" الزكية؛ ريحها حلو وطعمها حلو. وهذا هو التجسيد الحقيقي للقاعدة الفقهية والسلوكية الرصينة "الدين المعاملة"؛ إذ لا ينفصل إيمان القلب عن حسن السلوك في المجتمع. أما حالك الذي تشكوه يا ولدي، فهو حال المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، كمثل "التمرة"؛ إيمانك في قلبك صحيح وطعمه حلو، ولكن روائحك الروحانية "مكتومة ومزكومة". ولماذا تنكتم روائحك؟ لأن كلام الله هو عطر المؤمن، وهو الريح الطيب الذي ينشر أريج استقامتك في العالمين ويفك أسر روحك. فمهما كثرت أورادك، فلن تنال هذا العطر ولن يكتمل نورك إلا بملازمة كلام الخالق. فاحذر يا ولدي أن تكون كمن التفت إلى الفروع وضيع الأصول، وقد حذرنا العارفون كالإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة ٧٠٩ هـ، قطب العارفين وإمام أهل التربية) من الركون إلى حظوظ النفس الخفية في الطاعات. فاجعل القرآن العظيم إمامك، ورتله آناء الليل وأطراف النهار، لتنفتح مسام روحك، ويفوح عطر إيمانك، ويتطابق ظاهرك مع باطنك، وتكون ثمرة طيبة تنفع عباد الله.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (القرآن وِرد الأوراد وعطر المؤمن: تأملات روحانية في هجران التلاوة وثمار القلوب)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الظاهر والباطن: القرآن مرآة الإيمان وعطر الموحدين)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه الأولويات وأسرار العبادات: القرآن وِرد الأوراد وميزان الأعمال بين الظاهر والباطن)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (مسالك السالكين بين الأوراد والقرآن: عطر الإيمان وتطابق الظاهر والباطن)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (التفريغ والتوثيق العلمي: القرآن ورد الأوراد وعطر المؤمن وميزان الظاهر والباطن)التوثيق العلمي
