بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار إجابة الدعاء ومقام الواسطة المحمدية: رؤية روحانية في معارج القرب
أسرار إجابة الدعاء ومقام الواسطة المحمدية: رؤية روحانية في معارج القرب
إن الجرأة على محارم الله، يا ولدي، هي حجابٌ كثيف يعطلنا عن إجابة الدعاء، وإن الجرأة والتجرؤ على أكل أموال الناس بالباطل، سدٌ منيع يعطلنا عن نيل الإجابة والمدد من رب الأرض والسماء. وتلك الخلوات الملوثة بالآثام، والنجسة بالخطايا في غفلة من العيون، لا شك أنها ستعطل مسيرنا نحو الإجابة الربانية. وقد أشار حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى سنة 505 هـ) في أسفاره إلى أن طيب المطعم وطهارة السريرة من أعظم شروط استجابة الدعاء ورفع الحجب بين العبد وربه⁽¹⁾.
إنما تُستطاب لنا الإجابة، ويُفتح لنا باب القبول مشرعاً، إذا دخلناها من باب سيدنا ومولانا رسول الله. وتأمل، يا ولدي، في سر النظم القرآني البديع حين يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾⁽²⁾. ولنا أن نتساءل هنا، ونغوص في بحار هذا المعنى الدقيق: لماذا كان الخطاب في البدء للحبيب المصطفى وحده في قوله تعالى "وإذا سألك"، ثم أجاب الله عن نفسه بنفسه قائلاً "فإني قريب" ولم يجعل بينهما واسطة في القول؟
إن في ذلك لدلالةً قاطعة، وإشارةً ساطعة، على أنه لم يوحد الله على مقام كمال التوحيد حقاً أحدٌ غير الله ذاته. وقد ذكر فخر الدين الإمام الرازي (المتوفى سنة 606 هـ) في تفسيره الكبير ما يوافق هذه اللطيفة الربانية في إسقاط واسطة التبليغ في الإجابة إكراماً للحبيب واستعجالاً للقرب والمودة⁽³⁾. وإن واسطة الخلق أجمعين في هذا التوحيد الصافي، إنما هي عيون سيدنا رسول الله، وهي ما أُفيض وتجلى على قلب رسول الله من أنوار الوحي.
فإنه، والله يا ولدي، لن يعرف قرب الله، ولا مدد الله، ولا عطاء الله، ولا قدرة الله، من خلق الله أجمعين؛ أحدٌ على الحقيقة إلا رسول الله. ولكن، متى يقول الحق تجلى وعلا: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾؟ إنما تتجلى علينا هذه النفحة لما نسأل عن طريق سيدنا النبي، ولما نعرف ربنا من طريق سيدنا النبي، ولما نتعلم أسرار اسم الله "المجيب" بالاستمداد من قلب حضرة سيدنا النبي.
واعلم يقيناً، يا ولدي، أن الله جل جلاله لغناه المطلق، لا يحتاج إلى واسطة ليتعطف بعطاياه ونعمه عليك. لكن أنت، لفقرك وضعفك وقصورك، من تحتاج إلى واسطة لتُعطَف بذلك المدد، ويُفاض عليك من بركات هذا الجناب. فإن سر الوصول إلى الجناب الإلهي العالي، ومفتاح الترقي في معارج القرب، هو حب النبي محمد وحب الآل الأطهار.
واعلم أن الفضل لا يُعطى لعلّةِ عابدٍ، فنزِّه إلهك عن هوىً ومثالِ. والفضل كل الفضل هو فضل الله، يُعطى منه بالحب في طه العزيز الغالي. وكما يترنم أهل العرفان والمحبة، معبرين عن هذا المقام الجليل: "سر الوصول إلى الجناب العالي ... حب النبي محمد والآل" "والفضل لا يعطى لعلّةِ عابدٍ ... نزِّه إلهك عن هوىً ومثالِ" "والفضل فضل الله يعطى منه ... بالحب في طه العزيز الغالي"⁽⁴⁾.
