بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أنوار الوعد الإلهي وحياة القلوب: من يقين المظلوم إلى شرف الطاعة
أنوار الوعد الإلهي وحياة القلوب: من يقين المظلوم إلى شرف الطاعة
حلم الله على الظالمين وعز المظلوم
إياك يا ولدي أن يخالجك الظن يوماً بأن الظالم قد أفلت من قبضة العدالة الإلهية، أو أن عين الله قد غفلت عنه. فمن عظيم شدة غضب الجبار عليه، أنه لم يعاجله بالعقوبة الفانية في دار الدنيا، بل أخرها وادخرها ليعزك ويرفع من شأنك بمظلمتك في يوم العرض الأكبر. ففي ذلك الموقف المهيب المشهود، ستتأرجح موازين الظالم على الصراط الدقيق بتلك المظلمة، وحينها ستصدع مقراً بنعمة الله وعلو شأنك، وتقول ملء فيك لمن توهمنا يوماً أن الكون بأسره قد تمالأ علينا في ظلمه؛ ها قد حصحص الحق.
أنوار الوعد الإلهي وميقات الموعود
وتأمل معي يا ولدي في تلك الدرة المكنونة من أقوال تاج العارفين، الإمام ابن عطاء الله السكندري (ت: 709 هـ)، حين يصدح بيقين لا يتزلزل: "لا يُشَكِّكَنَّكَ في الوَعْدِ عَدَمُ وُقوعِ المَوْعودِ، وإنْ تَعَيَّنَ زَمَنُهُ"⁽¹⁾.
فما هو الوعد؟ وما هو الموعود؟ يتجلى الوعد الإلهي ساطعاً في قوله جل شأنه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾⁽²⁾. فها هو الوعد قد برز، وأما الموعود فهو الجواب الإلهي القاطع الذي يمسح على القلوب المكلومة: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
وأما قوله: "وإنْ تَعَيَّنَ زَمَنُهُ"؛ فمعناه ألا يطرق القنوط باب قلبك، وإن جرى بك قطار العمر وانصرمت أيامه، فلا تقل متحسراً: متى يتحقق الموعود وقد شخت وكبرت! ولنا في زوجة خليل الرحمن، نبي الله إبراهيم عليه السلام، أسوة بالغة؛ فحين زفت إليها الملائكة بشارة العطاء الرباني، قاست الأمر بمعايير البشر الفانية، فتعجبت وقالت: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾⁽³⁾. ظنت أن قطار الزمن قد فات، وأن معايير الوعد قد انقضت، فكيف لها بالولد وقد تناهى بها العمر وهرم الزوج؟ فقالت مندهشة: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. فجاءها الرد اليقيني من ملائكة الرحمن يصحح بوصلة القلب: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾⁽⁴⁾.
فاحذر يا ولدي أن يكون تأخر الموعود قدحاً في بصيرتك، أو طمساً لنور يقينك. فحين قال الحق سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، فإنك بمداركك الإنسانية القاصرة لا تدرك كنه هذا القرب. أتظن أن القرب يقاس بزمنك الآني الدنيوي؟ إن الدنيا التي تحيا فيها، بكل تفاصيلها وصخبها، لا تساوي في موازين الله ومعاييره سوى دقائق معدودات. فلو عُمرت مائة عام، ثم قستها على ميزان قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾⁽⁵⁾، لأدركت أنك تزن بمعايير أخرى تقبع خارج نطاق دنيانا الضيقة، لذا وجب عليك أن تركن بثقة تامة وتوكل مطلق إلى قدرة الله ومواقيت حكمته.
تجليات الوعد في هدي النبوة وصلح الحديبية
ولتستنير بصيرتك أكثر، استحضر مشهد الحبيب المصطفى ﷺ يوم الحديبية. لقد خرج الصحابة الكرام وتملأ نفوسهم رؤيا نبوية صادقة بأنهم يطوفون بالبيت الحرام، وخرجوا بأمر نبوي محكم، والأمر النبوي هو محض وحي يوحى. قال لهم المعصوم ﷺ: نحن ذاهبون للعمرة، فارتدوا ملابس الإحرام، وهيا بنا. فساروا تملؤهم الأشواق حتى بلغوا تخوم الحديبية، وهناك وقفت الركاب، ووقع سيدنا رسول الله ﷺ صلحاً يقضي بأن يعودوا أدراجهم من حيث أتوا، على أن يعتمروا في العام القابل.
هنا، تحركت بشريتهم وتساؤلاتهم، فهبوا قائلين: يا رسول الله، ألم تخبرنا بأننا سنعتمر ونطوف بالبيت؟ فأجابهم المعصوم ﷺ بيقين النبوة المطمئن، مصححاً لمفاهيمهم: «أَقُلْتُ لَكُمْ إِنَّكُمْ تَأْتُونَهُ عَامَكُمْ هَذَا؟» قالوا: لا. فقال: «فَإِنَّكُمْ آتُوهُ وَمُطَّوِّفُونَ بِهِ»⁽⁶⁾. ليعلمهم ويعلمنا بهذا المشهد درساً ربانياً؛ أن وعد الله حق لا ريب فيه، نعم هو حق، ولكنه يقع في الوقت الذي يريده جل جلاله، حين تتيسر في الغيب أسبابه، وحين يسري في الأكوان سريان لطفه الخفي. فاعلم يا ولدي أن الكون ليس مسخراً ليسير على مذهبك أو يخضع لأهوائك، فترفق بنفسك، وأمهل طبعك العجول، وإياك أن تنازع الله في أقداره، أو تعترض على دقيق قضاءاته وحكمته.
موانع الإجابة وموت القلوب في ميزان العارفين
ولتدرك أسباب حجب الإجابة وتأخر الوعد، أصغِ السمع بقلبك لما جرى مع العارف بالله والزاهد الكبير، الإمام إبراهيم بن أدهم (ت: 162 هـ)⁽⁷⁾، حين مر يوماً على سوق مدينة البصرة، فالتف حوله أهلها يشكون حالهم قائلين: يا إمام، ما بالنا ندعو الله فلا يستجاب لنا؟ فأجابهم بكاشفة القلوب القائلة: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء.
وتلك يا ولدي هي حجب الموعود وموانع الإجابة فتأملها:
أولها: أنكم عرفتم الله ولم تؤدوا حقه. وما آفة السالك إلا أنه دائم المطالبة بحقوقه من ربه، ولم يقف مع نفسه وقفة محاسبة متسائلاً: وما هو حق الله علينا؟ فكم من مدعٍ للفقر، بينما النعم تحوطه من كل جانب، وتراه يتخلف عن أداء زكاة ماله!
وثانيها: أنكم ادعيتم محبة رسول الله ﷺ ورغبتم عن العمل بسنته. فاعلم يا ولدي أن طريق المحبة لسيدنا النبي ليس مجرد أغانٍ تردد وقصائد تتلى في المجالس. فالحب مراتب ثلاثة: حب غرام، وحب أوهام، وحب إعدام. وهذا الأخير هو مقام الفناء؛ أن تفنى عن حظوظ نفسك وتبقى بهديه وصفاته، حتى إذا رآك الناس تذكروا رسول الله ﷺ. وبم يذكرونه فيك؟ بكرمك السمح، وحيائك الصافي، وأدبك الجم، ونبل أخلاقك، فيرون فيك مرآة صقيلة متأصلة فيها الشمائل المحمدية.
وثالثها: أنكم قرأتم القرآن ولم تعملوا به. فصدق التابعي الجليل حين قال: "رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه"⁽⁸⁾. وكيف يلعنه؟ يقرأ القرآن ويمر بتلاوته على قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾⁽⁹⁾، وهو في ذاته وفي تصرفاته ظالم. أتظن أن هذا الخطاب نزل ليخاطب به الحق سبحانه غيرنا؟ بل هو يخاطبنا نحن، مصداقاً لقوله الأجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾⁽¹⁰⁾.
ورابعها: أكلتم نعمة الله ولم تؤدوا شكرها. وهل تظن أن الموعود يتأخر إلا لغفلتك عن شكر ما رُزقت به من النعم الكثيرة التي تحيا بها دون أن تقر بها أو تشكر المنعم عليها؟ فكيف نزيدك وأنت لم تقيد النعمة بالشكر؟ وقد ربط الحق الزيادة بالشكر الصريح في قوله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾⁽¹¹⁾. فكيف تُمنح الزيادة وأنت متخلف عن مقام الشاكرين؟
وخامسها: قلتم إن الشيطان عدو لكم، وفي باطن الأمر وأفعال الجوارح اتخذتموه حبيباً وقريناً.
وسادسها: قلتم بألسنتكم إن الجنة حق، ولم تعملوا لها زلفى ترضي الله.
وسابعها: قلتم إن النار حق يقين، ولم تهربوا منها بصالح الأعمال والورع.
وثامنها: قلتم إن الموت حق، ولم تستعدوا له بصادق التوبة والإنابة.
وتاسعها: انتبهتم من رقدتكم، فاشتغلتم بتتبع عيوب الناس، معرضين عن إصلاح عيوب أنفسكم.
وعاشرها وأخيرها: دفنتم موتاكم بأيديكم، ولم تعتبروا وتتعظوا بهم.
