بقلم: الشيخ جابر بغدادي
الفاقات أعياد المريدين: حين يُورِقُ العطاءُ من رَحِمِ البلاء بلسان الدكتور جابر بغدادي | الحكم العطائيه
الفاقات أعياد المريدين: حين يُورِقُ العطاءُ من رَحِمِ البلاء بلسان الدكتور جابر بغدادي | الحكم العطائيه
إن أوقات الشدة، يا ولدي، ما نزلت بساحتك ولا ألمّت بدارك إلا لتطرق باب السماء منادياً بكل ذل وانكسار: "يا رب!". فلربما كَمَنَ العطاء في جوف المحنة، وتَسَرْبَلَت المنحة برداء البلاء، ولذا قيل في لسان أهل الحقيقة بما يُعَضِّدُ هذا المعنى: "رُبَّما تُعْطَى وأنت مَقْبُوضٌ عيداً لا تُعْطَاهُ وأنت مَبْسُوطٌ". ومن هنا ندرك يقيناً أن "وُرُودَ الفاقات أعياد المريدين"⁽¹⁾؛ فالِفاقَة هي محراب الافتقار الذي يجلب أنوار العطايا.
تأمل معي يا بني قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾. لقد كان العبد في غاية الاضطرار والاختناق، فجاءت المرحلة الأولى بكشف السوء ورفع الضر، ثم ما كان من كرمه إلا أن أتبعها بالمنحة العظمى وهي مقام الخلافة: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾. والسؤال هنا: أي مخلوق في الكون يقدر على هذا الصنيع؟ لا أحد سوى الله!
فغاية ما أملكه أنا أو أي بشر حين ألقاك فى ضيق او مكروباً، أن أُنَفِّسَ عنك بعض همك، أما أن أجعلك خليفة في الأرض تلك ليست لبشر. فسبحان من أبدع وخلق! سبحان من صاغ من الطينة المهينة بني آدم، وأوجد من العدم المحض وجوداً ينبض، وسبحان من أمطر على جَدْبَاء الأرض وقاحلها قطرة من الماء، فحوّلها إلى حياة تتدفق بالخيرات.
ولكي يَتَجَلَّى لك المعنى أكثر يا ولدي، انظر إلى حال ذلك الرجل في قصص كتاب الله، الذي جعله الحق مَثَلاً للمعتبرين: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. لقد رأى الأرض قد خَرِبَت وبادَت، فتملكه العَجَب: كيف لهذه الأرض الميتة أن تَصْحُوَ وتُبْعَثَ بعد أن أماتها الله؟ وهنا جاء الرد الإلهي مباشراً ومعجزاً: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾.
كأن الحق يقول له: أتتعجب وتستبعد؟ لن أضرب لك المثل في غيرك، بل سأريك الآية في نفسك وجسدك! فأماته الله مائة عام تماماً، ثم بَعَثَهُ ليسأله عن مدة نومه، فقال سبحانه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾، فكانت إجابة الرجل مبنية على ما يراه من حاله الظاهر: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
فقال له الجبار عز وجل مُصَحِّحاً ظنه: ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾، ثم أمره أن ينظر إلى الأدلة الباقية بحول الله: ﴿فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾؛ أي لم يتغير ولم يفسد! تأمل يا ولدي روعة القدرة؛ لقد نام الرجل مائة سنة، ومع ذلك ظلت الأسباب - طعامه وشرابه الذي هو عماد حياته - تنتظره كما هي! كان من المُفْتَرَضِ بحكم الطبيعة أن يتحلل جسده ويتعفن، وأن تفسد أسباب معيشته، لكن الله أعطاه أمراً بأن ينام، وأن تبقى فيه قابلية الحياة وهو نائم في رحاب الموت، وأعطى لغذائه أمراً بأن ينتظره مائة عام دون أن يتعفن!
إن الذي يقدر على أن يفعل ذلك، لا يكون إلا رباً هو الله. ولذلك نطق الرجل بلسان الحقيقة، وتكلم بمقام الشهود قائلاً: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. هذا هو حال الإنسان حينما يعرف ربه حق المعرفة.وقد تتسائل هنا: لماذا كانت إجابته الصريحة في البداية أنه نام يوماً أو بعض يوم؟ السر أنه نظر إلى مقتضيات حياته في جسده؛ فرأى أظافره لم تَطُل، وشعره لم يَتَشَعَّث، وجسده لم يَتَقَرَّح ولم يَبْلَ!⁽²⁾
ثم ليكتمل مشهد العظمة، أمره سبحانه أن ينظر إلى دابته التي كانت معه: ﴿وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. تأمل التباين العجيب يا ولدي؛ كلاهما مات، لكن أبصر كيف أمات هذا وحَيَّا ذاك في آن واحد! كيف ترك عظام الحمار تتآكل وتفقد لحمها حتى بَلِيَت، بينما أبقى جسد الرجل سليماً مُعَافى! هذا المشهد لا يملك العبد أمامه إلا التسليم، ولا يبقى في قلبه شك بأنه لا فاعل في الكون، ولا قادر على شيء إلا ربنا جل جلاله.
وهنا يُفتح لنا باب المعرفة الروحانية؛ فالموت الذي أماته إياه، يُخَبِّئُ في بُعْدِهِ كلاماً، ويحمل في طياته حياة جديدة. نعم يا ولدي! إنه موت النفس الذي يورث حياة الروح الحقيقية. فكما صَدَحَ أهل العرفان: "موت النفوس هو الحياة، فإن أَبَت فجميع ما في الأرض لا يكفيها". لأجل ذلك، يجب أن تُوقِنَ أنه إذا حَلَّت بنا شدة، فلا يفك عُقَدَها، ولا يُسَيِّرُ ما تَعَطَّلَ من أمورها، إلا ربنا سبحانه. فهذه المواطن العصيبة، يا بني، إنما هي مواطن الفرج العظيم.
يُحكى في مأثور حِكَم السلف⁽³⁾ أن رجلاً جاء إلى حكيم بصير بأدواء النفوس يطلب منه الدعاء، فسأله الحكيم: "ما شكواك وما علتك؟" فأجابه الرجل بِلَوْعَة وانكسار: "لقد نَفِدَ زادي، ولم أجد لي على أعباء حياتي مُعِيناً". فسأله الحكيم متعجباً: "أَنَفِدَ زادك حقاً؟" قال: "نعم". فقال له الحكيم مُوَجِّهاً بوصلة قلبه: "اذهب إلى محل زادك (أي محرابك وموضع شدتك)، وتضرع إلى الله، بل وادعُ الله لي أنت! فأنت الآن في مقام المفتقر المضطر، ودعوة المضطر عند الله لا تُرَد!"⁽⁴⁾.
إن الاستئناس بالمناجاة مع الله في ظلمات المحن لهو لذة أي لذة! وكما أورد الإمام البيهقي في شعب الإيمان، كأن الحق سبحانه يقول لعبده المُبْتَلَى، مصداقاً للحديث الشريف: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا ابْتَلاهُ لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ»⁽⁵⁾؛ أي كأنه يناديه: نحن نحبك يا عبدي، ونحب أن نسمع صوتك ونجواك! بينما أنت - أيها الإنسان - دائماً ما تكون وقت العطاء والرخاء مَلْهِيّاً بعطائك، تأخذ النعمة وتُهَرْوِل هارباً من مناجاة المُنْعِم جل جلاله!
وصَدَقَ فينا وصف القرآن المعجز حين قال: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾. نعم! دعاء عريض، أي أنه مَعْرُوضٌ وممتد بطول الآفاق، لا ينقطع عن التضرع والافتقار الذي كان ينبغي أن يكون حاله الذي يَلْزَمُه في الرخاء كما لَزِمَه في الشدة.
