بقلم: الشيخ جابر بغدادي
سر التجلي والمكاشفة: لماذا دُك الجبل وصمد قلب النبي؟ | بقلم الدكتور جابر بغدادي
سر التجلي والمكاشفة: لماذا دُك الجبل وصمد قلب النبي؟ | بقلم الدكتور جابر بغدادي
اعلم يا ولدي، أن نبي الله موسى عليه السلام حين هفا قلبه واشتاقت روحه، نادى ربه مناجياً: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾⁽¹⁾. ولنا أن نتأمل في الرد الإلهي العظيم: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾⁽¹⁾. إنما كان الحق سبحانه وتعالى في هذا الموقف يربي كليمه موسى ويدربه على تحمل أنوار التجلي؛ فكأنه سبحانه يقول له: إن بنيانك البشري هذا لا يقوى على رؤيتي، ولكن سأتجلى على الجبل، فإن تحمل الجبل وصمد، فسوف تراني.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾⁽¹⁾. ولما غُشي على كليم الله في عالم الدنيا الدنيّة، شاءت العناية الإلهية أن يُثبّت مقامه وتُهيأ روحه ليرى الحبيب المصطفى «صلى الله عليه وسلم» في السماء السادسة، في رحلة الإسراء والمعراج، حيث بات ينتظره في طريق عودته من عند سدرة المنتهى وهو نازل⁽²⁾.
لقد ثُبِّتَ سيدنا موسى ليرى سيدنا محمداً، وتجلى السر في الوعد الإلهي: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾⁽¹⁾. إن الجبل الأصم لم يستقر مكانه ودُكَّ دكاً، لكن بنيان محمد استقر مكانه، نعم يا ولدي، لقد استقر بنيان المصطفى «صلى الله عليه وسلم» في تعيين مقام المكاشفة، وصمد قلبه الطاهر لتلقي الأنوار دون أن يندك أو يغشى عليه⁽³⁾.
وهنا تتجلى حلاوة الأسرار؛ ينزل سيدنا النبي «صلى الله عليه وسلم» وقد فُرضت عليه وعلى أمته خمسون صلاة، فيقف له سيدنا موسى ليعترضه⁽²⁾. ولنا أن نتساءل: لمَ استوقفه موسى؟ لقد استوقفه لسر باطني عميق، كأنه يقول بلسان الحال: يا رب، إذا لم أكن أستطع أن أراك في ذاتك، فدعني أراك في عين من رآك.
وهذا يا ولدي شأن المحبين الصادقين، كما يُنشد بلسان حالهم:" يا من حلفت ألا تكلمني، كلم غيري لعلي أسمعك أنا " إذا لم أكن أقوى أن أراك يا رب حقيقةً، فدعني أرى العين التي رأتك. فهذا تصويرٌ أدبي بليغ، يجسّد لسان حال نبي الله موسى في ذلك المقام، وكيف كان شوقه لشهود تلك الأنوار، وليس قولاً نطق به عليه السلام⁽⁴⁾.
فكان موسى يطلب من الحبيب أن يراجع ربه في التخفيف⁽²⁾، وكل مرة يصعد فيها سيدنا النبي «صلى الله عليه وسلم» يزداد شهوداً وأنواراً. وموسى -عليه السلام- وحده هو الذي يعرف لذيذ هذه المكاشفة، وهو الذي يدرك قدر هذه المواصلة والقرب. فحينما يتحدث المصطفى مع الله يزداد نوراً، وحينما يرى ربه يزداد حضوراً وبهاءً، ثم يعود، فيتلقاه موسى ليتكحل بالعين التي رأت النور الإلهي. وكما أشار إلى معاني هذا القرب وشهود الأنوار الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي المتوفى سنة 505 هـ في إشاراته العرفانية البديعة⁽⁵⁾.
يا ولدي، لقد كان لسيدنا موسى رتبة عظيمة ومقام جليل في الشهود، وقد طالع فيما يوحى إليه في الألواح أن الشهود الكامل والتجلي الأعظم سيكون لنبي أو لعبد من عباد الله المصطفين، فاشتهى بشغف المحبين أن يكون هو ذلك العبد.
لذلك قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾⁽¹⁾، وكأنه يقول مناجياً بلسان الشوق: يا رب، أرني أنظر إليك من هذه الزاوية، وبهذه العين المحمدية التي قيل في حقها: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾⁽⁶⁾. فجاءه الرد الإلهي القاطع: إن هذه الرتبة ليست لك، ﴿لَنْ تَرَانِي﴾⁽¹⁾، أي لن تراني إلا بعيون محمد «صلى الله عليه وسلم».
