بقلم: الشيخ جابر بغدادي
من الذي حوّل الحرام إلى حضارة؟ | إشراقات في شرف الانتساب المحمدي - د . جابر بغدادى
من الذي حوّل الحرام إلى حضارة؟ | إشراقات في شرف الانتساب المحمدي - د . جابر بغدادى
إن الإشارة الكامنة في صيام سيدنا رسول الله ﷺ لكل يوم اثنين، تهمس في أرواحنا، يا ولدي، بنداء خفي؛ ألا نقتصر في أفراحنا على شهر ربيع الأول فحسب، بل حريّ بنا أن نقيم في كل يوم اثنين مأدبة للفرح ومجلساً للذكر والمحبة. لعل الضمائر التي أَسْلَمَت الروح تعود إليها نبضات الحياة، ولعل نيران الحروب التي تتطاحن في جنبات العالم تنطفئ، فتعود الحياة إلى تلك الضمائر التي دَمَّرَت الأوطان، وسَفَكَت دماء الإنسان، وخَرَّبَت الأديان، وتجرأت بالعصيان على رب العباد والدَّيان. عسى أن ينبض شريان الحياة من جديد بنفحات من ذكريات رسول الله ﷺ، فتسري في جسد هذا العالم الميت قلباً، والقاسي ضميراً. ولعل الحياة تعود أدراجها إلى شوارعنا، لتتطابق في طهرها مع ميدانه الأقدس ﷺ. عسى أن تعود الروح إلى لغاتنا ولهجاتنا، بل وإلى بناتنا من جديد، فتتولد أنوار الحشمة والعفاف وتشرق في آفاقنا.
فما الذي عَرَّى بناتنا يا ولدي؟ ومن ذا الذي أَفْسَد علينا أخلاقنا؟ وما الذي خَرَّب علينا بيوتاتنا الآمنة؟ إن هذا كله، ما هو إلا ثمرة الجفاء والبعد عن حياة رسول الله ﷺ. إننا في حاجة ماسة، وأقولها بِمِلْءِ فِيَّ وللأسف الشديد، لأننا نعيش في زمان يتشابه في ظلمته مع زمان الفَتْرَة، ونحيا في واقع يتألم ويئن كما كانت تتألم الجاهلية العمياء، حتى أشرق نوره ﷺ فَبَدَّد ظلمات العالم.
إننا، يا ولدي، نعيش في زمان بَلَغْنَا فيه أن الإنسان قد ارتقى بآلته حتى وصل إلى القمر، بيد أنه عاد في انحطاطه الروحي ليعبد البقر! زمان بَلَغَ فيه الإنسان مبلغه في استعمال الآلات والأسباب، حتى شَيَّد أبراجاً تناطح السحاب، ثم عاد من قمتها منتحراً وهو يصرخ: "لم أجد السعادة!". فما الذي ساقه إلى الانتحار من شاهق بنايته؟ إنه لم يَسْعَد، ولم يَذُق طعم الفرح، ولم يَهْتَدِ إلى مراد الله من خلقه.
إن الليلة التي نزل فيها القرآن العظيم، هي من أسعد ليالي الأمة، ألا وهي ليلة القدر؛ تلك الليلة التي تَنَزَّلَت فيها آيات الذكر الحكيم، وقِيل فيها: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ⁽¹⁾. وإن ليلة القدر ليوم من أيام الله، وليلة الإسراء والمعراج يوم من أيام الله، ويوم بدرٍ، يوم الفرقان، يوم من أيام الله، ويوم أحد يوم من أيام الله. بيد أن هذه الفواضل كلها، وهذه الأيام الفاضلة بأسرها، يعود أصل فضلها ومعدن سرها إلى ليلة الميلاد الشريف! فإن كانت ليلة القدر هي الليلة التي أُنْزِلَ فيها الكتاب، فإن ليلة الميلاد هي الليلة التي وُلِدَ فيها من أُنْزِلَ عليه الكتاب ﷺ.
ثم إن الأئمة الأعلام لم يقفوا عند مجرد الجواز؛ فإمام كالحافظ السيوطي ⁽⁴⁾، لم يقف عند حد قوله "مباح"، ولا عند حد قوله "حلال"، بل أَفْرَدَ في ذلك رسائل لا رسالة واحدة! وقد أبان مولده عن طيب عنصره كما صَدَحَ البوصيري ⁽⁵⁾، فيا طِيبَ مُبْتَدَأٍ منه ومُخْتَتَمٍ؛ يا طِيبَ مُبْتَدَأِ آدم منه ومُخْتَتَمِهِ! فلنقف، يا ولدي، عند هذا "المُخْتَتَم".
حينما أراد سيدنا النبي ﷺ أن يُعَرِّف بنفسه الشريفة قال: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي» ⁽⁶⁾. كل واحد من هؤلاء الثلاثة قد دَلَّ عليه وأشار إليه؛ فإبراهيم عليه السلام داعية، دعا ربه وطلب أن يتجلى الله على العالم بوجود النبي الخاتم، وعيسى عليه السلام مدحه فأعيا من وصفه حينما بَشَّرَ به قائلاً: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ⁽²⁾، وأمه الطاهرة رأت نوره. رؤيا أمه! نعم، وماذا في ذلك؟ وما الذي رأته؟ «رأت نورا خرج منها أضاءت له قصور الشام». وماذا نستلهم من هذا التجلي؟ احسب معي يا ولدي واستنبط.
أولاً، إن سيدنا النبي ﷺ قد قَرَنَ في هذا الحديث الشريف بين أمه الطاهرة، وبين نبيين من أولي العزم من الرسل. فهل يُعْقَل بعد هذا أن تكون كافرة؟ أترك لك وحدك الإجابة على هذا التساؤل الجائر. وإني لأعرف أناساً كُثُر لم يَكْتَحِلُوا برؤية هذا النور قط، فهل التي رأت هذا النور العظيم يُحْكَم عليها بالكفر؟ راجعوا علومكم يا عباد الله، وصَحِّحُوا أفهامكم! ثم تأمل قوله: «رأت نوراً»، فالأمر لا يقتصر على مجرد رؤيتها لنور سيدنا النبي ﷺ فحسب، بل رأت ما هو أبعد من ذلك؛ رأت نوراً أضاءت له قصور الشام. أي أنها رأت انعكاس نوره ﷺ المحمدي على بلاد الشام! اللهم احفظ الشام وأهله يا رب العالمين.
فخلاصة القول يا ولدي، أن سيدنا النبي ﷺ قد جَمَعَ في هذا الحديث بين أمه وبين نبيين من أولي العزم، وأَقَرَّ بأنه يُوصَف بذلك النور الذي رأته أمه الطاهرة، وأَقَرَّ لها ولغيرها حين قال: «وكذلك أمهات الأنبياء يَرَيْنَ». فهل في وسع أحدكم أن يأتيني حتى بحديث موضوع، يُزْعَم فيه أن أماً لنبي من الأنبياء كانت كافرة؟ لا أحد يستطيع أن يُثْبِت جملة كهذه على الإطلاق! فلماذا إذن، وبالذات، خَصَصْنَا أم سيدنا النبي ﷺ بهذه التهمة الجائرة واستخرجنا لها حكماً بالكفر؟ هذا فيما يخص أمه الطاهرة، ولأجل هذا الحديث، وَجَبَ عليّ أن أقف موقف الإجلال وأرسل تحية إعظام لأم المصطفى ﷺ: وصاحبة البركات منبعها صفا، وقد أهدت الدنيا جمالاً مقدسا، هدانا إلى نور مبين وأسعفا.
وهو القائل ﷺ: «أنا خيركم نفساً، وخيركم أباً» ⁽⁷⁾، كَرَّرَهَا ليُؤَكِّدَهَا. فإذا كان هو ﷺ أفضلنا نفساً، وهذه حقيقة نعرفها جميعاً، فما معنى أنه «أفضلنا أباً»؟ إن هذا الكلام، يا ولدي، ليس معناه أنني أَتَهَجَّم على من يخالفنا الرأي، ولا أنني أَفْرِض رأيي عليه؛ بل لقد عَرَضْتُ ما اسْتَذْوَقْتُهُ وجدانياً، وشعرتُ من باب الذوق والأدب أن هذا الكلام يحملنا، على أقل تقدير، إلى احترام أقوال العلماء الأعلام في كون أبويه الشريفين من أهل الفَتْرَة الناجين. هذا يأخذنا إلى واحة الإنصاف لنقول: يا قوم، إذا كان النبي ﷺ قد قال: «إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا» ⁽⁸⁾، فحينما نَذْكُر الوالدين الشريفين، أولى بنا أن نتأدب ولا نُؤْذِي سيدنا رسول الله ﷺ في نسبه الطاهر.
أما المشهد الثالث، فهو الاجتماع على الاحتفال به ﷺ. فقد قال لتلك المرأة التي نَذَرَت أن تضرب بالدف فرحاً بقدومه: «إن كنت نَذَرْتِ فافعلي، وإلا فلا» ⁽⁹⁾. قال ذلك لأنهم كانوا عائدين من حرب، وهناك أرواح قد صَعِدَت لبارئها، ولكن معنى قوله ﷺ كأنه يقول: إنها فَرِحَة بسيدنا رسول الله، والفرح بي عبادة، والنذر يُوفَى إذا كان فرحاً بي؛ لأن الفرح بنا طاعة لله. وإلا، فلماذا اشْتَرَطَ على سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه لا يَكْمُل إيمانه، ولا يكتمل عقد يقينه، إلا إذا اكتمل حب النبي في قلبه، حتى يكون هو ﷺ أحب إليه من نفسه التي بين جَنْبَيْهِ ⁽¹⁰⁾؟
فافرحوا، يا ولدي، بسيدنا رسول الله ﷺ، فإن القرآن الكريم قد أَقَرَّ الاحتفاء بمواليد الأنبياء؛ ألم يقرأ القرآن على مسامعنا قول عيسى عليه السلام: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ⁽³⁾؟ هذا يوم عيسى عليه السلام المُبَشِّر، فلست تُنْكِر الفرح به، فكيف لا تفرح بالبشير الذي تنجو به من العذاب؟ افرحوا بسيدنا رسول الله ﷺ، وهلموا بنا نُجَدِّد الفرح به، ونقرأ صفحة عطرة من شمائله. لنتأمل كيف كان ﷺ يُكْرِم جاره، وكيف كان يرحم أطفاله الصغار، وكيف كان يحب زوجته ويُدَلِّلها ويُكْرِمها، كيف كان صادقاً في وعده، وكيف كان أميناً في عهده.
اجعلوا، يا ولدي، مناسبات الاحتفال به ﷺ مناسبات طيبة، تَرُدُّ الضمائر إلى الحياة، وتعيد الحياة إلى ضمائر الناس، علّنا نعود بالضمير الحي إلى ما يُحْيِي الأوطان، ويُحْيِي الإنسان، ويُجَدِّد عهدنا الوثيق مع الديان، فتستقيم أحوالنا وتندرج في سِلْك طاعة النبي العدنان. وذلك حتى نعيش الحياة الطيبة، وتستقر أوطاننا، وتهدأ بيوتاتنا، وتنتهي نِسَب الطلاق المُفْزِعَة التي انفجرت في جنبات العالم، وتنمحي آثار المخدرات والآفات التي تفشت بين أولادنا. إن كل هذا الهراء والضياع الذي نراه في العالم من حولنا، يا عباد الله، إنما هو ضريبة البعد عن حياض رسول الله ﷺ.
اللهم إنا نسألك في ساعتنا هذه، أن تُفِيض علينا رحمة واسعة من رحماتك، وأن تنظر إلينا بعين رضاك الكبرى؛ تلك العين التي إذا نظرت بها إلى فقير أَغْنَيْتَه، وأن تنظر إلينا برحمتك العظمى التي تَتَدَارَك بها، يا مولانا، عجزنا، وضعفنا، وقلة حيلتنا. اللهم يا رب العالمين، لا تبتلينا بعلة، ولا تأخذنا في غفلة، ولا تجعلنا من الغافلين، ولا تأخذنا على غِرَّة، ولا تكتب علينا ذِلَّة ولا مَذَلَّة. فَشُعُورُنا به يَسَعُنا، لم يكد الكون يَسَعُنا، رباه به فاجمعنا، على حوض رسول الله ﷺ. هللت له تهليلاً، كم كان الصفح جميلاً، داوى قلبي العليلَ ترياقُ رسول الله ﷺ. وشكوت إليه ذنوبي، فاستغفر لي محبوبي، ورجعت بغير عيوبٍ من عند رسول الله ﷺ. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
