بقلم: الشيخ جابر بغدادي
رسالة طمأنينة من الشيخ جابر بغدادي: أرح نفسك من التدبير ولا تحمل هم غدٍ
رسالة طمأنينة من الشيخ جابر بغدادي: أرح نفسك من التدبير ولا تحمل هم غدٍ
اعلم يا ولدي، وفقك الله لمرضاته، أن ختام مسعانا وخلاصة مرادنا في هذه الحياة، يتجلى في مدارسة وشرح الحكمة الرابعة من درر الحكم العطائية، والتي تعد دستوراً لراحة الأرواح وطمأنينة القلوب، حيث يقول فيها الإمام ابن عطاء الله السكندري: "أرح نفسك من التدبير فما قام به غيرك لك لا تقم به لنفسك" ⁽¹⁾. إن غاية الراحة تكمن في تسليم الزمام لمن بيده مقاليد السماوات والأرض، فما تكفل به الحق تبارك وتعالى وقام به لأجلك، لا ينبغي لك أن تجهد نفسك في تدبيره لنفسك. ولنا أن نتأمل؛ ما الشيء الذي أنبأنا الحق سبحانه بأنه قد ضمنه لنا وتكفل به؟ إنه الرزق. لقد قضى به قضاءً مبرماً لا ريب فيه، فنادى في محكم تنزيله قائلاً: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ ⁽²⁾. فما دام الرزق في خزائن السماء، فكيف يساورك القلق يا ولدي؟ ثم أردفها بقسم جليل: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ⁽³⁾. إن الله جل جلاله يعطيك من فيض كرمه دون أن تنطق، فكيف إذا سألته؟
وقد تجلت هذه الحقيقة القرآنية النابعة من روح الحكمة العطائية، في قصة عجيبة وقعت في عهد الإمام الأصمعي ⁽⁴⁾، حينما استوقفه أعرابي من قُطّاع الطرق، شاهرًا سيفه، وسأله بحدة: "من أين أقبلت؟"، فأجابه الأصمعي بوقار: "من عند شيخ". فسأله الأعرابي مستنكراً: "وما يصنع هذا الشيخ؟"، قال: "يُحَفِّظُني كلام الرحمن". فطلب الأعرابي أن يسمع شيئاً مما حفظ، فقرأ عليه الأصمعي قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. فما كان من الأعرابي إلا أن هتف بيقين أشرق في قلبه بغتة: "هذا كلام الرحمن حقاً!"، ثم التفت إلى جمله الذي يحمل عليه متاعه، فاستل سيفه ونحره، منادياً في أهل القرية أن يهبوا لأكل لحمه، ثم انطلق هارباً إلى ربه تاركاً خلفه كل أسباب الدنيا.
ومضت السنون والأيام، وصار الأصمعي إماماً كبيراً وعالماً قد طار صيته في الآفاق. وفي إحدى حجاته، وبينما هو جالس في رحاب مقام إبراهيم، دنا منه شيخ عجوز أضناه الشوق والعبادة، وقال له: "يا أصمعي، أنا الرجل الذي نحر الجزور!". فتذكر الأصمعي ذلك اللقاء العجيب، وسأله بلهفة: "ما الذي أتى بك إلى هنا؟"، فأجابه الرجل: "منذ أن سمعتك تقرأ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ وأنا أعبد الله بها في هذا المقام. فهل معك شيء آخر من كلام الرحمن؟". فتلا عليه الأصمعي ما يتلوها من الآيات، حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾. وما إن لامست هذه الآية مسامع الأعرابي حتى شهق شهقةً عظيمة، وصرخ قائلاً: "يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى أحوجه إلى الحلف؟"، ثم فاضت روحه إلى بارئها من هيبة القسم الإلهي.
ولكي تتذوق يا ولدي المعنى العميق لقوله: "أرح نفسك من التدبير"، تأمل حال طفل صغير يعيش في كنف أبيه، كيف يرتع ويلعب آمناً مطمئناً، تغمره الثقة المطلقة في أبوة أبيه ورعايته. يلهو طوال نهاره، ثم يضع رأسه الصغير على وسادته ليغط في نوم عميق. لماذا ينام بهذه السكينة على الفور؟ لأنه سلم أمره لأبيه، يراه قائماً على شؤونه، واثقاً به لدرجة أنه يسترسل في شهوة النوم ولا يبيت قلقاً، لأنه يدرك أنه يعيش في نعم أبيه. فإذا كان هذا حال العبد مع العبد، فكيف بمن يتقلب في نعم الرب الجليل؟ وكيف يقلق من له ربٌ حليمٌ رحيمٌ؟ فأرح نفسك يا ولدي، فما قام به غيرك لك لا تدبره لنفسك.
ولطالما هتف قلبي مناجياً: "سبحان من لا يخلق فاهاً وينساها" ⁽⁵⁾، فكنت أسبح بها وأتذوق حلاوتها، حتى غمرني شعورٌ عميقٌ بغنى الله. واعلم يا ولدي أن الغنى الذي تورثه الحكمة العطائية ليس مالاً يُجتنى وتتراكم به الخزائن، إنما الغنى حقيقته روحٌ من الله تتجلى على القلب فتفيض عليه بالسكينة وتكفيه. ولله در القائل:
"فغنى النفوسِ هو الكفافُ فإن أبَتْ ... فجميعُ ما في الأرضِ لا يكفيها" ⁽⁶⁾.
ولا تظنن يا ولدي أن العافية تنحصر في صحة البدن وحدها، ولا أن الغنى يقتصر على وفرة المال. إن العافية الحقيقية، والنعمة السابغة، هي أن تُرزق يداً رحيمة فلا تبطش، وأن تُوهب قلباً راضياً بقضاء الله فلا يسخط، وأن تُمنح عيناً موحدةً في شهودها لا تلتفت لسوى خالقها فلا تزيغ، وأن تُكرم بلسانٍ لاهجٍ بالشكر. فمن نال ذلك، فقد تحققت فيه بشارة الحبيب المصطفى حين قال: «مَنْ بَاتَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي بَدَنِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» ⁽⁷⁾.
لقد لخص العارفون هذه الطمأنينة النابعة من ترك التدبير في أبيات من نور، فأنشدوا:
"نامتْ عُيُونٌ وَسَهرتْ عُيُونُ ... في أُمُورٍ تَكونُ أو لا تَكونُ
إنَّ رباً كَفاكَ بالأمسِ ما كَانَ ... سَيكفيكَ في غَدٍ ما يَكونُ" ⁽⁸⁾.
يا ولدي، استمع بقلبك إلى هذا النداء العلوي: "يا ابن آدم، لا تسألني رزق غدٍ، ما لم أسألك عمل غدٍ" ⁽⁹⁾. فكما أننا لم نطالبك اليوم بأن تخبرنا أين ستصلي الفجر في الغد، فلا تستعجل رزقك المكتوب. إن الغنى كل الغنى يتجلى في أن تملك الليلة ما يكفيك، فلا تحتاج لغيرك. واعلم يقيناً أن ما تتوق إليه نفسك من الحرام، إن أنت تركته لله، أتاك طائعاً مسخراً في الحلال، وكنت عند الله محموداً مأجوراً. فالمؤمن الحق هو من امتثل للتوجيه النبوي الشريف: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ» ⁽¹⁰⁾.
إنني أبثك هذه الشكوى يا ولدي ممن يقول: "أنا لا أملك شيئاً!". إن هؤلاء لم يدركوا أن الغنى لا يُقاس بما تملك، بل يُقاس بما ترضى به. فالنفس الإنسانية إن لم ترضَ، تحولت إلى وحش كاسر، لا تُشبعه كنوز الأرض قاطبة، ولا تكفيه الدنيا وما فيها.
إن الله جل وعلا قد ضمن لك الرزق وتكفل به، وأمرك بالعبادة. فتأمل حال السلف الصالح كيف فقهوا الحكمة من ترك التدبير؛ فهذا حاتم الأصم ⁽¹¹⁾، أقام سرادقاً للعزاء في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلس يتقبل التعازي ثلاثة أيام كاملة. فلما تعجب الناس من صنيعه وسألوه: "ما بك يا حاتم؟ من فقدت؟"، أجابهم بقلب مكلوم يعتصر ألماً: "أدركوني يا أبنائي، لقد فاتتني تكبيرة الإحرام في صلاة العشاء!". هكذا كانوا يا ولدي، يبكون على ما يفوتهم من حظوظ الآخرة، تاركين تدبير أرزاق الدنيا لمدبر الأمر في السماء والأرض.
