بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار العطاء في طيات المنع: فقه الدعاء والرضا عن الله
أسرار العطاء في طيات المنع: فقه الدعاء والرضا عن الله
حكمة المنع وموجبات اليقين
ما الذي تفتقده في مسيرك يا ولدي؟ وما الذي يضيق به صدرك؟ أحفنة من عرض الدنيا؟ إنها على ربك هينة يسيرة. أم أنك كلما طرقت باباً وسعيت في أمر خلت أنه قد أوصد في وجهك وأنك قد سقطت؟ اعلم يقيناً أن الأمر أيسر مما تتخيل، وأهون مما تظن، ولكن السر يكمن في بصيرتك. فاستمع بقلبك إلى درة تاج العارفين، الإمام ابن عطاء الله السكندري (ت: 709 هـ)، قطب الدلالة على الله، حين يصدح بحكمته البالغة: "لا يحملنك تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء أن يكن هذا موجب ليأسك"⁽¹⁾.
لقد أوضح لنا المولى جل جلاله جوهر الحكمة في كتابه المكنون، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾⁽²⁾. فما الحكمة يا ولدي؟ الحكمة في أعمق معانيها هي "الفقه عن الله في الأفعال"؛ أن تقرأ رسائل مقاديره بقلب بصير. وكل مؤدى الحكمة ومبتغاها أن يصل العبد، من خلال معرفته بالحق، إلى مقام الشكر الخالص. واعلم أن الشكر لا يتأتى لك حقاً إلا عن طريق الرضا، والرضا لا يزهر في قلبك إلا بعد أن تفقه عن الله حكمته في كل ما يجريه عليك من أفعال.
وإنه لمن أشد ضيق الأفق، وعمى البصيرة، أن يقضي المرء عمره كله يبكي كمداً وحسرة على ما فقد، ثم يغفل عن الشكر على ما وجد وما أُعطي من نعم لا تحصى.
يقين الأنبياء ولاحة الفرج
وتأمل معي يا أيها السالك نبي الله يعقوب عليه السلام، حين بلغ به اليقين مبلغه، فقال لأبنائه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾⁽³⁾. هل تظن أن يعقوب عليه السلام لم يكن يرفع أكف الضراعة ليل نهار داعياً ربه أن يرد عليه يوسف؟ بلى، كان يدعو، وكان يفيض قلبه يقيناً وثقة بأن الله سيرده إليه. نعم، كان واثقاً، ولذلك أمرهم بالبحث الميداني قائلاً: اذهبوا فتحسسوا.
تخيلوا يا أهل الأدب مع الله، هذا الموقف المهيب؛ أبناؤه يأتون إليه بقميص ملطخ بالدماء، يقولون له بلسان الحال والمقال: لقد رأيناه ميتاً، وها هو قميصه، وها هو دمه عليه! فيأتي رده اليقيني ليعلمهم ويعلمنا كيف نبحث عنه. ما معنى هذا الكلام؟ معناه: أنا لا التفت لظواهر أفعالكم، أنتم تدعون قتله، والله أخبرني في سري أنه حي. لقد دعوت ربي حتى شبعت روحي من المناجاة، وابيضت عيناي من الحزن والبكاء عليه، ومع ذلك فأنا أعلم علم اليقين أنه حي يرزق. ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾، وما معنى روح الله هنا يا ولدي؟ إنه فرج الله الواسع الذي لا ينقطع.
حقيقة الدعاء وأسرار الاستجابة
ما هو المعنى الحقيقي للدعاء يا ولدي؟ الدعاء ليس مجرد كلمات تردد، بل هو صدق التوجه إلى الله تعالى في طلب قضاء الحاجة. وحتى يُسمى وردك ومناجاتك "دعاءً" مقبولاً، لابد أن يتحقق فيه شرطان جليلان:
أولهما: أن تكون بهذا الدعاء عابداً لله، متذللاً له، راضياً بكل النتائج التي يكتبها لك، سواء وافقت هواك أم خالفته.
وثانيهما: أن تكون في لحظة الدعاء مشغولاً بالله جل جلاله عما سواه، مستغرقاً في شهود عظمته لا في شهود حاجتك.
ولكي تدرك حقيقة أن الدعاء عبادة، كما صح عن الحبيب المصطفى ﷺ قوله: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»⁽⁴⁾، لابد أن تفقه أموراً ثلاثة:
الأمر الأول: أن الله سبحانه وتعالى يقبل دعوتنا بقدرته المطلقة، ولكنه ينزلها علينا كيفما يحتمله قدرنا وطاقتنا. فإما أن يُعجل لك العطاء فيُستجاب لك على الفور، وهذه يسميها العارفون "إجابة الكرامة"، وإما أن يُصرف عنك من السوء مثلها، أو تُبدل لك بما هو أصلح لحالك في دينك ودنياك، وهذه "إجابة التبديل"، وإما أن يُدخر لك ثوابها حسنات يوم القيامة، لأن ما تطلبه قد لا يكون نافعاً لك في مآلك⁽⁵⁾.
الأمر الثاني: أن يكون قلبك حاضراً مع الله، مستحضراً لعظمته وجلاله وأنت تدعوه. فقد قال النبي ﷺ، المعلم الأكبر: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ»⁽⁶⁾.
كمال الافتقار وموانع الإجابة
ولأضرب لك مثلاً من درر العارفين ليتضح لك مقام حضور القلب؛ يُروى أن نبي الله موسى الكليم عليه السلام، جاءه رجل من أصحابه يرجوه قائلاً: يا نبي الله، علمني الاسم الأعظم. فاستأذن موسى ربه في ذلك، فقال الله له: يا موسى، إن عبدك فلاناً يطلب منك الاسم الأعظم فعلمه إياه. فجلس الرجل يدعو بالاسم الأعظم الذي يدعو به الكليم موسى، ولكن شيئاً لم يحدث! تعجب موسى عليه السلام وناجى ربه: يا رب، لقد أخبرتني أن أعلمه الاسم الأعظم فعلمته، فلماذا لم يُستجب له؟ فجاء الرد الإلهي الكاشف: يا موسى، كان يدعوني وقلبه معلقٌ بغنمه!⁽⁷⁾.
فاعلم يا ولدي أن حقيقة الدعاء، وسر إجابته، لا يتأتى إلا إذا حصل في القلب كمال الافتقار إلى الله، وكمال الاضطرار إليه، وكمال الاعتذار بين يديه.
عين العطاء في ثياب المنع
فإن قلت: لقد حققت كل هذا، وافتقرت واضطررت، ثم لم تأتِ الإجابة كما أهوى؟ هنا يعيدك العارف بالله إلى محراب اليقين قائلاً: ""لا يحملنك تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء أن يكن هذا موجب ليأسك"". فمن رضي بالله في الأمانة كان نائحاً متبتلاً، ومن أيقن بالمنع جعل وجه المنع عين العطية، فتراه مستبشراً بما صرفه الله عنه استبشاره بما أعطاه.
اقرأ بقلبك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾⁽⁸⁾. فتسأل مستنكراً: إذا كان لطيفاً بعباده ويرزق من يشاء، فلماذا لم يعطني هنا وفي هذا الموقف؟ والجواب يا ولدي: من كمال لطفه بك في الرزق، أن أعطاك بقدرته ما يحتمله قدرك، ولذا قرن الرزق باللطف.
إن الحكمة البالغة تقتضي منك أن تنظر إلى ما بين يديك، وما في جيبك، وتقول بلسان الرضا: هذا هو ما ينفعني في مرحلتي هذه، وما زاد عليه فليس لنا فيه نصيب ولا خير.
ولماذا منعني؟ اعلم يقيناً أنه لم يمنعك ليعذبك، بل هو ينزل بقدر ما يشاء وبما يصلحك. فلا يحملنك تأخر العطاء على اليأس. أرأيت لو أنك تسير مع طفلك الصغير، فمررتم بمتجر للصاغة، فأشار الصبي بلهفة إلى خنجر ذهبي حاد يلمع، وصرخ: يا أبتي، اشترِ لي هذا! فامتنعت بشدة. الناظر إليكم من بعيد، حين يرى الابن ينتحب والأب يمنعه، سيقول في نفسه: يا لقسوة هذا الأب!
هكذا هو حال العبد مع ربه، ولله المثل الأعلى؛ إن هذا الخنجر المذهَّب الذي تتشبث بطلبه لتهلك به نفسك، نحن لم نمنعه عنك لهوانك علينا، ولا لبخل منا، ولكن لأنك لا تتحمل حمله ولا تحسن استخدامه، فكان هلاكك فيه. فلما منعناك منحناك العافية، ولما حرمناك رحمناك بحفظ روحك.
فقه الهجرة: مقامك حيث أقامك
لذا يا ولدي، لابد أن تفقه القاعدة الذهبية لحياتك: "مقامك حيث أقامك"⁽⁹⁾. فإن سألت: أفلا نسعى إذن؟ أقول لك: بلى، اسعَ يا سيدي واعمل، ولكن اعلم أن شرط الإذن الإلهي يظهر في التيسيرات المأذون بها؛ فما كان لك فيه إذن، ستجد طرقه ممهدة وتسير فيه بلطف.
وتأمل في مسيرة إمام العارفين وسيد المتوكلين، سيدنا محمد ﷺ، حين خرج من مكة مهاجراً. ألم يكن يملك سلاح الدعاء المستجاب؟ بلى، لقد كان يدعو، وقد عاش فيها وهو يقول معلناً حبه: إن مكة أحب بلاد الله إلي. ألم يكن يتمنى في قرارة نفسه أن يبقى في مكة ويستقر فيها؟ بلى، ولكنه ﷺ كان فقيهاً عن الله في أفعاله، يقرأ مراد الله وراء الأحداث؛ فرأى أن الله سبحانه وتعالى يريد له أن يخرج من بيته، ويريد له أن يخرج متغرباً عن وطنه، يريد له أن يخرج مما يُحب، من أجل من يُحب سبحانه.
طيلة ثماني أو تسع سنوات قضاها في المدينة، قبل أن تبدأ بشائر العودة والقول: سنحج وسنعتمر. في هذه السنوات الثمانية الطوال، لم يتقدم واحد من أصحابه ليقول له: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا أن يزلزل الأرض من تحت أقدام أولئك الذين أخرجونا لنعود إلى ديارنا؟ أبداً، لم يحدث هذا، لأنه لما يحن وقتهم بعد.
لقد كان فقههم عالياً؛ قال لهم الله اخرجوا فخرجوا، ولم يقل لهم متى سترجعون فسلموا. لقد خرجنا، لنخرج من هوانا وحظوظ أنفسنا لمراد مولانا جل جلاله. نعبده بتجرد العبد الراضي الممتثل لله في كل أفعاله وتصاريفه.
فيا ولدي، بعد كل هذه الإشراقات، أكررها على مسامع قلبك: ""لا يحملنك تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء أن يكن هذا موجب ليأسك""، بل اجعله مرقاة لليقين، وباباً للفقه عن رب العالمين.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (لماذا يتأخر إستجابة الدعاء رغم الإلحاح شرح الحكم العطائية ( الحكمة الخامسة ))التوثيق العلمي
