بقلم: الشيخ جابر بغدادي
مقامات العزلة وأنوار الخلوة: رحلة الروح من صخب الخلق إلى أنس الحق
مقامات العزلة وأنوار الخلوة: رحلة الروح من صخب الخلق إلى أنس الحق
خلوة القلوب وحقائق اليقين
يصدح لسان حال سيدى تاج الدين ابن عطاء الله السكندري (ت: 709 هـ)، قطب العارفين وإمام المحققين، بحكمة تتلألأ نوراً في سماء الأرواح قائلاً: "مَا نَفَعَ القَلبَ شَيءٌ؛ مِثلُ عُزْلَةٍ يَدخُلُ بِهَا مَيدَانَ فِكرَةٍ"⁽¹⁾. فاعلم يا ولدي أن العزلة عند أهل الفهم والذوق ترتقي على مقامات ثلاثة، لا يلجها إلا من صدق في الطلب:
أولها مقام (خلوة المحجوب): وهو من اعتزل الناس فراراً من سوئهم وأذاهم، وهذا وإن كان على خير في ظاهره، إلا أن باطنه قد تلطخ بذنب خفي، ألا وهو سوء الظن بعباد الله.
وثانيها مقام من أضاء قلبه بالإنصاف: فأحسن الظن بالخلق، وأساء الظن بنفسه الأمَّارة، فتراه يناجي حاله منكسراً: لا أملك في مخالطتي للناس إلا الغيبة والنميمة وإلحاق الأذى، فلما عجزت عن كبح جماح نفسي عن أذيتهم، آثرت أن أمنع الناس من شر نفسي.
وثالثها وهو تاج المقامات: مقام من أحسن الظن بربه جل جلاله، فولَّى وجهه عن الخلق قائلاً بيقين العارفين: والله لقد يئست من نفع نفسي لنفسي، وعلمت عجزي عن جلب الخير لها، فتركتها وتبرأت من حولي وقوتي، فلم أجد إلا رباً رحيماً يأخذنا على عيبنا، ويقبلنا على علتنا. فإذا يئست من نفع نفسي لنفسي، فكيف لا أيأس من نفع الخلائق لي؟ هكذا انصرف عن المظاهر، وأيقن أنه لا نافع إلا الله، فلا يصاحب إلا من هو بعيبه عليم، وليس ذلك إلا مولاه الكريم. ولسان حاله يلهج: لقد طلبت الله لغيري، فكيف لا أطلبه لنفسي؟ ومن هنا يا ولدي، تجلت أنوار تلك الخلوة عند العارفين، فسموها: "الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق".
مراتب العزلة الثلاث: الحس والقلب والحال
اعلم يا ولدي أن السالكين في دروب العزلة يتوزعون على ثلاث درجات رئيسية؛ خلوة الحس، وخلوة القلب، وخلوة الحال.
فأما (خلوة الحال)؛ فهي أن يهاجر المرء بكيانه مبتعداً عن كل ما يجلب غضب المولى سبحانه، ومصداقها يتجلى في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾⁽²⁾. فهو خروج وارتقاء من ظلمة التعددية والشتات إلى نور التوحيد الخالص، ومن ظلمة الركون إلى الأسباب إلى فضاء نور التجريد والتوكل.
وأما (خلوة القلب)؛ فهي فراغ الفؤاد من الخلائق للتعلق بالحقائق، ويمثلها التوجيه الرباني في قوله جل شأنه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾⁽³⁾. أي إذا فرغت من الأغيار، فانصب همتك إلى الأنوار، وإذا فرغت من التعلق بالخلق، فانصب كليتك إلى الحق. هي التوبة النصوح؛ أن تطهر جوفك من الحرام، وتقطع حبال التعلق بالبشر، لتدخل في محراب الاستئناس بالله سبحانه. فإذا أقبلت على الله إقبالاً صادقاً، وفرغت من الناس، فلتنصب خيمتك في واحة الأنس به، وليكن حادي روحك قوله تعالى: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾⁽⁴⁾. وتأمل يا ولدي كيف أن هذا المقام العظيم لم يُذكر إلا بعد منَّة الشرح في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾⁽⁵⁾؛ أي وسعناه فشمل الخلائق شفقة ورحمة، وفسحناه فتجلى له الحق معرفة ونوراً.
بين السائر والواصل في خلوة الحس
وأما (خلوة الحس)، فالسالكون فيها على دربين: السائر المبتدئ، والواصل المحقق.
فأما خلوة أهل الطلب والسائرين، فتتجلى في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾⁽⁶⁾. ولا تحسبن يا ولدي أن المراد بالكهف هنا مجرد جدران نتخذها داراً للعزلة، بل هو اتخاذ الأسباب؛ فحين تأوي إلى الكهف مخلصاً، سيتجلى لك المسبب سبحانه، فيطوع لك مرافق الحياة، وتخر لك أسباب الدنيا ساجدة طائعة. ففروا إلى هذا الكهف الآمن، زوروا سيدنا النبي ﷺ، تشبعوا بسيرته العطرة، وسيروا على مسيرته الشريفة، فذلك هو الأوي إلى الكهف، وتلك هي المحمودة الأولى من عزلات الحس.
وأما خلوة (الواصل)، فهل تراه يقبع في صومعته وينعزل كلياً؟ الجواب يشرق من قوله تعالى في شأن سيدنا موسى عليه السلام: ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾⁽⁷⁾. انظر إلى عزلة نبي الله موسى كيف كانت؛ كان صاحب مروءة وشهامة، خدم الخلق وعرف الحق. ولقد كنت أقول قديماً في تأمل هذه الآية: "الناس إفلاس لا تتخلى عنهم ولكن تخلى منهم " إن الناس في حقيقتهم إفلاس، فتخلَّ عنهم في قلبك، ولكن كن ذا مروءة واخدم مجتمعك، ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا﴾. وماذا فعل بعد أن قضى حوائجهم؟ ﴿ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ﴾؛ سارع إلى خلوته، وعاد إلى عزلته مناجياً: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، وكأنه يقول: يا رب، لا أبتغي من الخلائق شكراً ولا جزاءً، إنما بذلت ما بذلت خالصاً لوجهك.
فالعارف بالله يا ولدي هو الخادم للخلق بالحق، وهو القائم عند الحق في أمور الخلق. ينوب عن الحق في الناس بدلالتهم عليه، وينوب عن الناس عند الحق بالشفاعة لهم؛ فحينما يقبل على الناس تراه معيناً غوثاً، وحينما يقبل على بساط الأنس تراه شفيعاً متضرعاً، وفي كلتا الحالتين وجهه لا يدل إلا على الله.
مقامات العزلة في هدي النبوة وإشراقات العارفين
ولقد تجلت أنواع العزلة المحمودة في هدي المصطفى ﷺ؛ فقد جاء أعرابي يسأله: يا رسول الله، أي الناس خير؟ فأجابه المعصوم ﷺ مبيناً الصنف الأول الذي يخدم المجتمع ويبذل جهده: «رَجُلٌ مُجَاهِدٌ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ». فسأل الأعرابي: ثم من؟ فبين له الصنف الثاني صاحب العزلة المحمودة قائلاً: «وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ»⁽⁸⁾.
وتأمل معي يا ولدي في دقيق الفهم الباطن لقصة النملة حين نادت بني جنسها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾⁽⁹⁾. فتبسم سليمان ضاحكاً من منطقها العجيب. لقد قال أهل الظاهر إنها خافت عليهم الهلاك المادي من وطأة جيش الملك العظيم. لكن أهل الباطن والذوق استشفوا معنى أرق؛ فقالوا إنها خافت على أرواح النمل أن تنبهر بملك سليمان فتنشغل به عن الله. فلما لامس هذا المنطق العالي قلب نبي الله سليمان، ناجى ربه مستعيذاً بالله ومستلهماً شكره: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾⁽¹⁰⁾. كأنه يقول: لله درها من نملة خافت على قلبها وهي لا تملك من حطام الدنيا شيئاً إلا سبحتها وتوحيدها، فكيف بي أنا إذا طغى على عيني ملكك، وكيف إذا رأت بصيرتي سطوة جلالك! ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. إنها نملة كانت داعية إلى عزلة القلوب عن زينة الأغيار.
ميزان العزلة بين الأصالة والمعاصرة
يقرر العارف بالله الإمام سهل بن عبد الله التستري (ت: 283 هـ)، شيخ العارفين وإمام أهل الحقيقة، قاعدة سلوكية ذهبية فيقول: "اجتمع الخير كله في خصال أربعة، وبها صار الأبدال أبدالاً: خماص البطون (أي الجوع)، والصمت، والسهر، والاعتزال عن الناس"⁽¹¹⁾.
وفي ذات المعنى الجليل، يروي الإمام الحافظ نعيم بن حماد (ت: 228 هـ)، عن شيخ الإسلام والإمام الزاهد عبد الله بن المبارك (ت: 181 هـ)، أنه كان يكثر الجلوس في بيته متفرداً، فقيل له متعجباً: ألا تستوحش من طول انفرادك؟ فأجاب بلسان المحب الذي امتلأ قلبه بنور المعية: "كيف أستوحش وأنا مع النبي وأصحابه؟"⁽¹²⁾.
ولئلا يظن ظان أن هذه العزلة تعني الجهل والانقطاع عن تطورات العصر، أسوق لك يا ولدي موقفاً فذاً لسيدي الإمام الرائد الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم (ت: 1419 هـ)، مجدد التصوف السني في العصر الحديث. فقد جاءه رجل يوماً يعنفه بقسوة مدعياً: أنت تحبس نفسك في قمقم التصوف، وتتقوقع في صدفة الدين المتأخر، وتعيش متخلفاً في عصور الجمود الماضية، بينما نحن نعيش في عصر تقدمي متحضر!
فأجابه الإمام بجواب يكتب بماء الذهب، يكشف فيه عن حقيقة المتصوف الحق الذي يجمع بين أصالة الروح ومعاصرة العقل، قائلاً: "إنني وأنا رجل معمم مقفط، لا أزال أثقف نفسي، وأزودها بكل ثقافة من المشرق أو المغرب، باحثاً عن الحكمة، جارياً وراء الحقيقة كلما أذنت لي صحتي وأوقاتي وقدراتي. فكلما أقرأ تاريخ الإسلام والفلسفة، وتدرج المذاهب، ونشوء الفرق والنحل، وأتابع تاريخ الصوفية والسلفية وتطور المسلمين؛ أتابع كذلك أدباء العرب وقصصييه وناقديه ومهرجيه ومفسديه. وأدرس ملامح الفن القوطي، وتدرجه إلى الكلاسيكية القديمة ثم الجديدة، إلى الرومانتيكية، فالتأثرية، فالواقعية، فالرمزية، فالالتزامية، فالتجريبية. أتابع حتى فن (بيكاسو) في التصوير، و(أندريه) في الأدب. وإنني لأقرأ لـ (شكسبير) و(بوب) و(شيلي) و(بيكون) و(هيجل) وصولاً إلى (سارتر) و(سومر). وأميز في دراسة مدارس الموسيقى بين (صمويل جونسون) و(بولو)، وأطلع على كل ما يتعلق بفن المسرح والسينما".
ثم ختم مقالته القاطعة بقوله: "فلست بمقوقع في قمقم، ولا أنا بجامد ولا متخلف. بل بحمد الله أعيش في عصري هذا مندمجاً فيه ثقافةً ودعوةً ومعاشاً، غريباً عنه في الأخلاق والعبادة، معتزلاً ما وجب اعتزاله بقدر مقدور لا بد منه للدعاة إلى الله"⁽¹³⁾.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
