بقلم: الشيخ جابر بغدادي
مقامات التعرّف الإلهي بين شهود المنعم وغفلة النعم | د . جابر بغدادى
مقامات التعرّف الإلهي بين شهود المنعم وغفلة النعم | د . جابر بغدادى
يا ولدي، إذا ألمَّت بك مُلِمَّةٌ في مسيرك، فلا تجلد ذاتك وتقُل: إني سيءٌ قبيح؛ فإن كنتَ في عينِ نفسك قبيحاً، فإنّ لك ربّاً جميلاً يُجمّلك ويستر زلّتك. ولا تقُل متيئساً: إني مذنبٌ هالك؛ فإنّ لنا حبيباً قريباً، إن قَصَّرْنا لم يُؤثِّر تقصيرنا في جميل وِدّه، وإن بَعُدنا لم يُبْعِدنا عن سعة رحمته، وإن لم نَتَحَلَّ بصالح الفضائل، فهو بكرمه لا يتخلّى عنّا أبداً.
واعلم يا بُني أنه بين مقام "الشهود" والتيه في بيداء "الشهوات" حرفٌ واحد؛ فدالُ الشهودِ هي دالُ الدندنةِ بذكر الله، فما دُمتَ مع الذكر غارقاً، فأنت في مراتب الشهود باقٍ، فإذا ما تركت سُبحتك، وغفلت عن وِردك، تحوّلت دالُ الدندنة إلى هاءِ الهوى، فتنقلب الحال إلى شهوةٍ تُرديك! إن الله جل جلاله إذا أعطاك أراد أن يسمع عذب شكرك، وإذا ابتلاك أراد أن يرى جميل صبرك ⁽¹⁾. فإذا فتح لك وِجهةً ليتعرف إليك، فلا تُبالِ إن قلّ في عينك عملك؛ لأن ما وهبناه لك لم يكن يوماً أُجرةً لما عملت! فاحذر يا ولدي أن تكون محجوباً بعملك، فالأمر كله لله والمُلك مُلكه. أتدري لِمَ أغنانا الله؟ لأنه جلّ في علاه لا يترك فقيراً في سبيله إلا وأفاض عليه من بحار جُوده، ولأنه كريم فقد أعطاك، فاشكره ولا تركن إلى عملك أو تستعظمه، فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك ⁽²⁾؛ أي يريد أن يُعرّفك بفضله الواسع، ويُعرّفك بهُزْلِكَ وضعفك وعجزك. ومعنى أن يتعرّف إليك: أن يكشف لك حقيقة نفسك؛ إما أن يُنعم عليك بنعمةٍ تتوالى، أو يبتليك ببليّةٍ تتساقط، ليُثبت لك من أنت في ميزان الافتقار الصادق إليه.
ولنا في نبي الله أيوب عليه السلام أبلغ الأثر وأصدق الدليل؛ فقد قال مُناجياً ربه في محراب ابتلائه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ⁽³⁾. لقد تعرّف الله إليه بما نزل به من البلية؛ فقد أصابه مرضان: المرض الأول هو الحزن العميق على فقد الأهل، وهو تعبٌ نفسي صرف، ومع ذلك ظل راضياً عن الله. وفقد ماله كله عن بكرة أبيه، ولا يزال راضياً عن الله. وفقد العافية من جسده بالكلية إلا من لسانٍ رطبٍ ذاكر. فكيف مسّه الشيطان بنُصب وعذاب إذن؟ لقد ذكر أهل العرفان والتفسير أن الشيطان كان يحوم حول أيوب دون أن يخترق قلبه المنيع، كان يوسوس إليه بالأحزان، يروح ويجيء هامساً: يا أيوب، لو كنت غالياً على الله ما ابتلاك! ⁽⁴⁾ فكانت هذه الآية تعبيراً عن أن أيوب راضٍ عن الله رضا المُحب الخالص، الذي لا يُحب أن يترنم بالشكوى حوله أحد. فقوله: ﴿بِنُصْبٍ﴾ هو المرض الظاهر، و"العذاب" هو العذاب النفسي؛ بأن الشيطان يُحيله للتفكير في غير محبوبه، ويوسوس له بأنه منبوذ متروك.
حتى جاء المدد الرباني، وغيث الفرج المتدفق: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ ⁽⁵⁾. والرَّكض هنا هو ضرب الأرض. فضرب الأرض ضربة واحدة بيقين النبي، فانفجرت عينان؛ عينٌ اغتسل بها فعُوفي في ظاهره، وشرابٌ شربه فغسل الباطن، فعوفي من أثر المرض الجسدي، ومن أثر الألم النفسي. ولم تتوقف العطايا عند هذه العافية النفسية والبدنية، بل تجلّى الكرم الإلهي ليجبر الكسر: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ ⁽⁶⁾، وقيل في التفاسير العتيقة المأثورة عن السلف إن الذين ماتوا أحياهم الله له، وقيل إن الله رد عليه أهله الذين كانوا يتأففون وينسحبون من حوله لشدة بلائه ⁽⁷⁾. أراد الحق أن يتعرف على أيوب، فأيوب عند العطية لم يقل "عملت واستحققت"، وعند البلية لم يقل "أذنبت وهلكت"؛ فلطفه يسري وعبده لا يدري.
أما الإنسان بطبعه القاصر، إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعّمه، قال: ربي أكرمنِ، فيلتهي بالكرامة الموهوبة عن المُكرِم الوهاب. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه وضيق منافذه، قال: ربي أهاننِ. فالأول ضيَّع الشكر في زحام النعمة، والثاني استرسل في الشكوى في غمرة المحنة. وكل المُهلكات في مسير الأرواح إنما نبعت من نكران الشكر ومزيد الشكوى؛ فقد عاش الإنسان في دائرةٍ مغلقة: يأخذ العطاء فلا يشكر، ويُمنع المأمول فلا يصبر. وقد ورد في الأثر الإلهي الرقراق: «يا ابن آدم أعطيتك الدنيا فانشغلت بها عني، وأخذت الدنيا منك فانشغلت في طلبها عني، فمتى تطلبني وتقبل علي؟» ⁽⁸⁾.
ويروى في مسالك الصالحين، أن الإمام إبراهيم بن أدهم مرَّ في تطوافه على رجل مُلقى على قارعة الطريق، مبتور القدمين والساقين، كفيف البصر، فدنا منه فسمعه يقول متمتماً بيقين: "الحمد لله الذي عافاني وأسبغ علي نعمه". فوقف الإمام مُتعجباً مأخوذاً وقال: عافاك من ماذا؟ وأي نعمة هذه التي تذكرها؟ فدنا من الرجل وسأله مستفهماً: يا هذا، أين قدمك؟ قال: قد بُترت. أين ذراعك؟ قال: بُترت. أين بصرك؟ قال: كُفّ. كيف تطعم إذن؟ قال: كما رأيت، يمر الناس فيطعمونني توكلاً على الله. فقال: يا هذا، أين النعمة التي تقول من أجلها: الحمد لله الذي أسبغ علي نعمه وعافاني؟ أين العافية وأين النعم؟ فأجابه الرجل بيقين العارفين الذي لا يتزلزل: ألم يُعطني قلباً شاكراً؟ ألم يُعطني لساناً ذاكراً؟ ⁽⁹⁾.
وهنا يتجلى لك يا ولدي المعنى العميق، فاستمع بقلبك: ألم تعلم أن التعرُّف هو مَوْرِدُهُ عليك، وأن الأعمال أنت مُهديها إليه؟ وأين ما تُهديه إليه مما هو مُورده عليك؟ ⁽¹⁰⁾. إن التجلي -سواء أكان بالمنع القابض أو بالعطية الباسطة- هو من فيضه الوارد إليك، أما الأعمال فهي ما تُهديه أنت إليه من جهدك الضعيف. وهذه نقطة جوهرية في طريقك؛ فإذا تعرّف إليك، لا تُبالِ بأعمالك، سواء أعطاك أو منعك، لا تضع هذا التعرّف في كفة المقارنة مع عملك؛ لأنه سبحانه لا منعك لعيبِ عملك ولا أعطاك لفضل عملك! إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها إن قل عملك، فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك ⁽¹¹⁾. فكيف تُقارن عملك القاصر بتجليه الباهر، وعطاياه السابغة، ورجاياه الواسعة؟
ثم ينقلك الحق سبحانه برفقٍ من ضيق داخلك إلى فسيح آيات كونه، فيقول: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ⁽¹²⁾. أنا لا أريدك أن ترى الأشياء لمجرد رؤيتها كباقي العوام، إنما أريد للأشياء أن تكون مرآةً تدلّك على مَن أوجدها في عالمك! لا أريدك أن تنظر إلى النعم لتقف عند حَدِّها المادي، بل لتدلك على مُوجِدها الأزلي. ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ⁽¹³⁾. ألم ترَ يا ولدي هذه المظاهر البديعة؟ مَن الذي أبدعها وصورها؟ إنها تعرّفات الله إليك، ودعوةٌ ربانية لك ألا تلتهي بالنعم وتنسى المُنعم سبحانه وتعالى.
فبين الشهود والشهوة، يبرز عبدٌ تملّكته دندنة الأذكار، فصار في مقام الشهود؛ هذا العبد يرى ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، ويرى ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾، ويرى ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، ويرى ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. أما الذي عاش مع التاء المربوطة، وانغلق داخل سجن "الدنيا"، وتاه في دائرة الهوى الغوي، فقد عاش في "شهوة" الإبل، والسماء، والجبال، والأرض! عاش في عالمٍ ماديٍّ بحت؛ لم يَرَ أنوار التجلّي الأرجيّ، لم يَرَ أنوار المُتجلّي سبحانه، بل عاش مع المُتجلَّى به والتهى بالنعمة! لم يشهد تجلّي الله في قوله: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ و﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ و﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ و﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. إن هذا كله يدل على الله ويوصل إليه، فقل بلسان المحبة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ⁽¹⁴⁾.
إن هذه تعرّفات الله إليك في كل لمحةٍ ونَفَس، ولكنك عميتَ عن دندنة الروح! عميتَ عن الشهود بغيابات الشهوة، وعميتَ عن الذكر بسطوة الهوى. ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ ⁽¹⁵⁾، أتعرف يا ولدي أن تُنبت من العدم شجرة؟ لا والله لا طاقة لك. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ⁽¹⁶⁾.
ثم يقول جل شأنه مُستنهضاً بصيرتك: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ ⁽¹⁷⁾. لنتوقف معاً عند ﴿الْأَرْضَ قَرَارًا﴾، ألم تنتبه لِفعل "جعل"؟ لِمَن سخّر الأرض وجعلها مُستقراً آمناً؟ مَن كان يريدك أن تقرأ سطور الكون؟ إنه يريدك أن تتأمل هذا الكتاب الجميل الذي خلقه الله ليدلّك على وجوده الصريح، ويدلك على توحيده الخالص، ويدلك على كرمه وجوده المتدفق.
لكنك يا ولدي كمن اشترى مصحفاً مُطرزاً بالذهب، قرأه، وما شغله فيه إلا تذهيب الحروف، وشياكة المصحف، وأناقة الطبعة، ووسامة الطلعة، وحلاوة المطالعة! وقفتَ عند حدّ التجويد، ووقفت عند حدّ التشييد، وما ساقتك المباني الظاهرة إلى أنوار المعاني الباطنة! وخرجت من القراءة وكل ما يشغلك هو أن "المصحف مُذهّب"!
فلما وجدك الحقُّ غافلاً، لا ترى الكون يُكلّمك ويهتف بك، نَقَلَ لك الرحلة إلى الدَّاخل. لما وجدك لا تُبصر من الخارج؛ فلا أرضٌ دلّتك، ولا سماءٌ أَرَتْكَ، ولا بحارٌ عرّفتك، ولا جبالٌ سُطحت ونَبّهتك، أراد أن يُعرّفك من الداخل، بالبلاء، ليسمع تضرعك وافتقارك: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ⁽¹⁸⁾.
نعم، ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾؛ لأننا ننسى دائماً. لماذا؟ لأننا ساعة الشدة نصرخ ونلح: يا رب، يا رب، يا رب، يا رب! فإذا فُرِّجت الغمة، وكُشف السوء، نسينا أن نقول له: شكراً! لذا، عُد إلى أصل الحكمة وتأملها: إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبالي وإن قل فيها عملك، فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم أن التعرف هو مورده إليك، وأن عملك أنت مهديه إليه؟ فأين ما أنت مهديه إليه مما هو مورده إليك! ⁽¹⁹⁾.
