بقلم: الشيخ جابر بغدادي
شرح الحكم العطائية | الحكمه التاسعه | د.جابر بغدادى
شرح الحكم العطائية | الحكمه التاسعه | د.جابر بغدادى
إن من الناس، يا ولدي، أفئدةً تهفو وتتوق إلى زيارة الحبيب المصطفى، وأرواحاً تشتاق لشد الرحال نحو البيت الحرام، ونفوساً تتمنى من أعماقها لو رزقها الله الوقوف بصعيد عرفات. ولكن، تخيل معي يا ولدي لو أن الأمة بأسرها شدت الرحال للحج في آن واحد، فمن تُراه يعمر مساجدنا هاهنا بالصلاة؟ إنما متى حان ميقاتك الذي قدره الله لك؛ ستمضي إليه لا محالة. فإن الله جل جلاله لم يحصر واسع فضله في مناسك الحج فحسب، بل كما قال الإمام ابن عطاء الله السكندري ⁽¹⁾ (ت ٧٠٩هـ، قطب العارفين وصاحب الحكم): "تنوعت أجناس الأعمال؛ لتنوع واردات الأحوال".
لقد نوّع الحق سبحانه ميادين العبادات، فجعل منها الصلاة، ومنها الصيام، ومنها الحج. ولقد حدثنا نبينا المعصوم «أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَسَقَاهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ»⁽²⁾، فدخل الجنة بسقيا كلب، وآخر دخل الجنة بوقوفه على عرفات. فليس بالضرورة، يا ولدي، أن نُقبل على الله جميعاً من الدرب ذاته، إنما الغاية العظمى أن يهتدي كل امرئ منا إلى طريقه الخاص نحو مولاه، أن يعرف دربه ومسلكه إلى ربه؛ فلكل واحد منا قلب متفرد، وله نهج يخصه في تقلب أحواله واستقباله للعطايا والنفحات الربانية، والواردات الإلهية، وذلك تبعاً لاختلاف أعمالنا.
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل مبيناً هذا التنوع البديع: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، أليس هذا تنوعاً جلياً؟ ثم انظر يا ولدي بماذا ختم هذه المهمة وهذه المقامات العلية؟ قال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾، ثم بين الجزاء الأوفى فقال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. فابحث لنفسك يا ولدي عن مقام من هذه المقامات لتلجه، فإن أردت أن تسلك درب المغفرة، فاندرج تحت مظلة واحدة من هذه الرتب الجليلة.
حافظ على إسلامك، وتذكر أن «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»⁽³⁾. وتأمل يا ولدي، كيف أنك قد تدخل الجنة بمجرد ألا تركز مع أفعال الناس، فالمسلم الحق كما أخبرنا الصادق المصدوق هو: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»⁽⁴⁾، فلا نفتري على أحد، ولا نلوك سير الناس بألسنتنا. وأما في مقام الإيمان والمؤمنين والمؤمنات فقد قيل: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»⁽⁵⁾، فليكن قلبك وعاءً يتمنى الخير للخلائق أجمعين. أُريدك يا ولدي، أينما حللت ومضيت في طريقك، أن تلهج بـ: "اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات".
وقد وصف الله عباده المصطفين فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، هكذا يكون السمت. وفي مقام الصدق والصادقين والصادقات، اصدق مع ربك في كل شيء، وإياك والكذب. وتأمل الروعة حين يختم الله سلسلة هذه الفضائل بقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾، فمجيئها في الختام إشارة إلى أنها المرقاة الأعلى، والرتبة الأسمى بينهم أجمعين، وكأن ملاك الأمر كله ونقطة ارتكازه، يا ولدي، مكنونة في ذكر الله.
يقول الحق جل جلاله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾. فالوقوف بصعيد عرفات هو مقام التوبة والمغفرة، والذكر الذي يعقبه بعد عرفات عند المشعر الحرام هو مقام "الإنابة"، والذكر الذي يتلو المشعر الحرام مصداقاً لقوله ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ هو مقام "الأوبة". فالتوبة، يا ولدي، هي التخلي التام عن المعاصي، والإنابة هي الابتهال والتضرع لقبول التوبة، أما الأوبة فهي الخلوص من شهود النفس في التوبة. الله أكبر، ما أعظمه من فتح!
ثم يقول الحق: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾. ولنا هنا أن نتساءل: لِمَ يُذكر الاستغفار في هذا الموطن والحاج نازل من عرفات لا سيئة عليه؟ وممَ يكون الاستغفار حينئذ؟ الجواب، يا ولدي، أنه استغفار من رؤية الحسنات، ومن سوء الظن بالمليك جل وعلا؛ أن يظن الإنسان أن الله لم يغفرها له. ثم يقول تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. فمهما خلصت وانتهيت، يظل الذكر ديدنك؛ نزلت من عرفات تذكر الله، ذهبت إلى المشعر الحرام تذكر الله، أتممت المشعر الحرام فاذكروه كما هداكم، أفضت فأفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله. إن ملاك الأمر كله، يا عباد الله، في ذكر الله جل في علاه.
ونطالع في كتاب الله آية أخرى تؤكد هذا المعنى في تعدد القربات، حيث يقول تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، وهنا يتجلى تعدد أجناس الأعمال لتتعدد بها الواردات، فيكمل سبحانه: ﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ وهذا نوع من أجناس البر، ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
هذا كله من حيث تعدد الأعمال، أما من حيث تعدد الواردات، فإن الواردات الإلهية ثلاثة أنواع؛ فواردات الطالبين غير واردات السالكين، وتفترق عن واردات الوصل. يقول العارف بالله، العلامة ابن عجيبة الحسني ⁽⁶⁾ (ت ١٢٢٤هـ، صاحب التصانيف الجليلة في التفسير والتصوف): "فالناس في الواردات من الله على مراتب ثلاث: فالطالب يأتيه وارد الانتباه". ووارد الانتباه هذا، يا ولدي، هو نور يخرجك من ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، ومن رق المعصية إلى كمال التوبة، وهذا لا يجيء إلا من حضرة القهار جل وعلا.
ونستلهم هنا قصة الإمام بشر الحافي ⁽⁷⁾ (ت ٢٢٧هـ، الإمام العَلَم وسيد الزهاد)، فقد كان من أغنى الأغنياء، وفي كل خميس يقيم مجلساً للسمر. فإذا برجل من الصالحين يطرق الباب، ولما خرجت الجارية قال لها: "يا ابنتي، قولي لسيدك أن يجيني أريده". عادت الجارية إلى سيدها الغارق في ملذات غناه وأخبرته. وبما أنه كان كريماً والكرم نفعه، مد يده في جيبه وأخرج عطاءً وقال لها: "خذي، أعطيه هذه النفحة". فلما خرجت لتعطيه النفحة، قال لها: "أنا لا أريد شيئاً، إلا قولي لي يا ابنتي: أهذا سيدك عبد أم حر؟" فأجابته بثقة: "سيدي حر". فقال: "صدقتِ، قولي له: لو كان عبداً لله لترك هذا اللهو وأتاني هرولةً". هذا، يا ولدي، هو "وارد القهر". فما إن تناهت الكلمتان إلى مسامع بشر، حتى ترك المجلس بما فيه، وخرج يجري حافياً خلف الرجل. ما الحكاية؟ إنه النداء، إنه "وارد الانتباه" قد رن جرسه معلناً: أنت مطلوب عندنا هنا الآن.
وأما السائر السالك في طريق القوم، فيأتيه "وارد الإقبال". وهو نور ينزل في قلب العبد فيحركه لذكر الله، ويغيبه عما سواه، فلا يزال مشتغلاً بذكره غائباً عن غيره حتى يمتلئ القلب بالنور. لقد ناديناه ساعة بوارد الانتباه، فأقبل علينا تائهاً لا يعرف أين يذهب، فأقبلنا عليه بوارد الإقبال.
إن وجود من يُسمعك كل يوم نداء "حي على الصلاة"، هو نداء من الله لك، وهو من واردات الإقبال. رؤية المساكين في طريقك من واردات الإقبال على الله. بل ذلك الظالم من واردات الإقبال؛ فهل تعرف أن الظالم قرّبك لربنا؟ كل الحاجات التي تتعبك، هي صرخات لتقول "يا رب". فإنه لا يوجد طريق ثانٍ إلا نار جهنم عياذاً بالله. فالذنب ليس له سوى ثلاثة مخارج: إما أن يأتيك "وارد الانتباه" فتنتبه وتستغفر الله فيغفر لك، وإما أن يأتيك "وارد الإقبال" فتقبل عليه فيغفر لك. فإن انعدم هذا وذاك، فكيف نُحلها لك؟ لذلك انتبه، فكلما نزلت بك نازلة، اعلم أنها من واردات الإقبال على الله.
وأما الواصل فيأتيه "وارد الوصال". فهو نور يستولي على قلب العبد فيخرج العبد من سجن هواه إلى مولاه، ويغيبه عن شهود حسه. ولنا في سيدنا النبي «صلى الله عليه وسلم» أسوة، حينما كان يتفقد الصحابة، فسمع سيدنا عمر بن الخطاب ⁽⁸⁾ (ت ٢٣هـ، أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين) وهو يصلي، فلقي صوته في القراءة عالياً قليلاً، ولقي صوت سيدنا أبي بكر الصديق (ت ١٣هـ، خليفة رسول الله وصاحب الغار) مخفضاً صوته قليلاً. فلما جاءا بين يدي سيدنا النبي «صلى الله عليه وسلم»، قال سيدنا عمر: "يا رسول الله، أطرد عني الوسنان (النعاس)". والثاني كان خائفاً من الرياء. فماذا فعل سيدنا النبي؟ أمر أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً، وأمر عمر أن يخفض صوته قليلاً. مع أن الاثنين كانا على خير، إلا أنه أراد أن يُخرج كل واحد من حظ نفسه! نعم صلاتك صحيحة، ولكن ماذا تريد نفسك؟ تريد أن تعلي صوتك لكي لا تنام؟ إذن وطيّ صوتك. والثاني يقول أنا خائف من الرياء ولا أريد أحداً أن يطلع على صلاتي. قال له: عَلِّ صوتك قليلاً. فأراد بهذا أن يُخرج كل واحد منهما من حظ نفسه.
في أحاديث كثيرة جداً عند سيدنا معاذ بن جبل (ت ١٨هـ، أعلم الأمة بالحلال والحرام)، وعند سيدنا أبي ذر الغفاري ⁽¹⁰⁾ (ت ٣٢هـ، رابع من أسلم وأصدق الناس لهجة)، وعند سيدنا أبي هريرة ⁽⁹⁾ (ت ٥٩هـ، حافظ الأمة وراوية الإسلام)، تبدأ بـ "أوصاني خليلي". فتجد أبا هريرة يقول: «أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ». وسيدنا أبو ذر أوصاه بسبع أشياء، منها: «أَلَّا أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، وَأَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا، وَأَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَنْ أُجَالِسَ الْمَسَاكِينَ وَأَرْكَنَ إِلَيْهِمْ». هذه وصايا تختلف عن تلك تماماً. فلماذا لم يوصهم كلهم زي بعض؟ السر في ذلك يا ولدي، أنه «صلى الله عليه وسلم» كان يصرف الفواضل على حسب القوابل، وكان يصف لكل جرح دواه.
