بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أنوار الرجاء وسعة الرحمة: قراءة روحانية في مقامات العفو الإلهي
مقامات الرجاء وتصحيح المعتقد في الله
يقول الإمام العارف بالله، تاج الدين ابن عطاء الله السكندري ⁽¹⁾ (ت: 709 هـ، قطب رحى التصوف السني، وصاحب الحكم البليغة): "مِنْ عَلامَاتِ الاعْتِمَادِ عَلى العَمَلِ، نُقْصَانُ الرَّجَاءِ عِنْدَ الزَّلَلِ" ⁽²⁾. يا ولدي، عجباً لحال بعض الخلائق، حين يُطلب من أحدهم الدعاء، فيطرق رأسه قائلاً في انكسار مشوب باليأس: (أنا عبد مذنب!)، وكأنه يظن أن رب العزة جل جلاله لا يقبل الدعاء إلا من المصلين الأبرار! إن هذا الجهل المعتم برب العالمين وسعة رحمته هو الحجاب الذي قد يمنع الاستجابة؛ فلو عرف العبد ربه حق المعرفة، لم يقنط. إن الله هو رب العالمين أجمعين، وليس رب الطائعين فحسب، فمن حصر الاستجابة في كمال العمل، فقد ضيق واسعاً وجهل حقيقة الربوبية.
سعة الرحمة التي سبقت الغضب
ولنا في أخبار الأولين عبرة؛ فلما أدرك الغرق فرعون الطاغية ⁽³⁾، أخذ ينادي في لجة البحر مستغيثاً: (يا موسى، يا موسى). فأوحى الله تبارك وتعالى إلى كليمه موسى عليه السلام معاتباً إياه عتاب المحبين: (يا قساوة قلبك يا موسى! ناداك مرات ومرات ولم تغثه، وعزتي وجلالي لو قال: يا الله، لنجيته). يا ولدي، إياك أن تصعب على الناس سعة رحمة الله، أو أن تضيق عليهم أبواب فضله. يجب أن تعلم وتُعلم الدنيا أن الله جل جلاله هو خير الراحمين، وأنه أرحم الراحمين، وأنه الودود الذي يتودد إلى عباده بالنعم. إنه سبحانه يعطي من لا يستحق، ما لا يستحق؛ يلجأ إليه الخلق في أشد الحاجات، فيفيض عليهم ببركات التعطف والتحنن ما لا يستحقونه، تكرماً منه وتفضلاً، لا بعملهم بل بمحض جوده.
طهارة القلوب في حضرة الحبيب المختار
وقد تجلت هذه الرحمة المحمدية المستمدة من الرحمة الإلهية حين جاء رجل إلى حضرة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ⁽⁴⁾، منكسراً معترفاً بذنبه، فقال: يا رسول الله، «أصبت حداً فطهرني». وفي تلك الأثناء أُذن للصلاة، فصلوا جميعاً، فلما انقضت الصلاة، التفت النبي الرؤوف الرحيم إلى الناس بعين العناية والمواساة، وقال: «أين هذا الذي سأل؟» فقال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال له النبي متسائلاً: «صليت معنا؟» قال: بلى يا رسول الله. فما كان من الحبيب المختار إلا أن بشره بفيض العفو قائلاً: «اذهب فإن الله قد غفر لك». لم يعنفه، ولم يفضحه، بل دله على باب المغفرة المفتوح.
أنوار التوبة والشهود في كتاب الله
ولذلك، صدق الإمام ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه وأرضاه حين صاغ لنا تلك القاعدة الذهبية في السلوك قائلاً: "مَنْ دَلَّكَ عَلَى العَمَلِ فَقَدْ أَتْعَبَكَ، وَمَنْ دَلَّكَ عَلَى اللهِ فَقَدْ أَرَاحَكَ" ⁽⁵⁾. فالعمل وحده مضنٍ محفوف بالآفات، أما الشهود لمنة الله فهو باب الراحة والطمأنينة.
يا بني، لقد نزل في كتاب الله المعجز آيات عن التوبة، ومقامات للمنيبين، لو قرأها الإنسان بقلب حاضر لسكر منها سكراً حلالاً؛ سكراً روحانياً يأخذ الإنسان للترقي في درجات كمال الشهود، ويورثه معرفة الرب المعبود جل جلاله. ولما قرأتُ وتأملتُ قول الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ ⁽⁶⁾، علمتُ علم اليقين أن لنا رباً ودوداً كريماً، يغفر الذنوب ولا يبالي بخطايا العباد مهما كثرت. وعلمتُ أن ذنوبي، مهما بلغت ومهما عظمت في عين الورى، فإن لها رباً أرحم منها وأوسع. ومن استعظم ذنبه على فضل الله ومغفرته فقد ضل وغوى، وابتعد عن طريق العارفين؛ لأن رحمة الله قريب من المحسنين، ومفتوحة للتائبين النادمين، فلا ملجأ من الله إلا إليه.
