بقلم: الشيخ جابر بغدادي
جذور الإخلاص وثمار الخفاء: قراءة روحانية في حكمة ابن عطاء الله السكندري
جذور الإخلاص وثمار الخفاء: قراءة روحانية في حكمة ابن عطاء الله السكندري
التجريد في العطاء: بين سر الخفاء وعلانية الظهور
يقول قطب العارفين تاج الدين بن عطاء الله السكندري ⁽¹⁾ في حكمته البالغة: "ادفن نفسك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يُدفن لا يتم نتاجه".
ولك أن تتأمل يا ولدي في حال ذلك العبد الصالح الذي ذكره النبي الأكرم ﷺ، حين تصدق بصدقة فأخفاها، حتى كادت شماله ألا تعلم ما أنفقت يمينه ⁽²⁾. أترى هذا العبد من أهل الخفاء أم من أهل الظهور؟ إنه يقينًا قد أتى بعمل، وما دام ثمة عمل، فهناك حركة وقدرة وتجلٍّ، وتلك هي الفلسفة الإلهية الدقيقة في الجمع بين العطاء؛ بين إقامتك في ساحات الشهرة والظهور، وإقامتك في زوايا الخفاء والستر.
فكيف للمتصدق إذن أن يُغَيِّبَ إحساس شماله بما جادت به يمينه؟ السر هنا يا ولدي يكمن في انعدام الرؤية؛ فلا تفسير لهذا المقام العالي إلا أن العبد لم يرَ عمله قط! لقد أتى بالعمل، بيد أنه لم يشهد فيه سوى الله، فرأى التوفيق منه، ورأى التحقيق به، ورأى التصديق بفضله، فشهد لله بالمنَّة الخالصة، واعترف بين يدي مولاه بالعجز التام، متجردًا بقلبه لربه. فإذا جرت الأعمال الصالحة على جوارحك تفضلاً من الله ومِنة، فإياك أن تشهد الفضل إلا للمتفضل سبحانه.
هذا هو سر الخفاء؛ أن تنفق بيمينك فتنشغل شمالك بشكر المنعم الذي وفق اليمين للإنفاق. غير أننا في زماننا نخطئ السبيل؛ فترى أحدنا يعطي بيمينه وعينه ترنو إلى من يقبل شماله شكرًا، أو ينفق بشماله منتظرًا لثم يمينه تبجيلاً! ولعمري، إن من كان هذا حاله فلن يوفق للعطاء مرة أخرى، لأن هذا هو داء الظهور وحظ النفس الذي حذر منه سيدى ابن عطاء الله حين نادى في الأرواح: "ادفن نفسك في أرض الخمول".
أرض الخمول: الإقامة في مراد الله
وما هي أرض الخمول يا ولدي؟ إنها مقام مراد الله فيك أولاً؛ أن تنظر بعين البصيرة أين أقامك مولاك، فتدفن نفسك حيث أقامك. أن تدفن ذاتك في شهود منة الله عليك، وفي سريان إرادته بك، مسلماً له القياد، فلا تشهد لنفسك فضلاً في طاعة، ولا مزية على أحد من خلق الله. وبذلك وحده تكون قد جردت قلبك من التفاتك للخلق، ومن شهود المشقة والمنَّة في العمل عل الله.
واعلم يا ولدي أن من أحب الظهور صار عبداً للظهور، ومن أراد الله له الظهور فآثر هو الخفاء، كان عبداً خالصاً للخفاء. أما من أحب الله بصدق، فهو مع الله، دائرٌ مع مراد الله كيفما أراد؛ إن شاء سبحانه أخفاه، وإن شاء أظهره وشهره. فانظر أين أقامك الحق! إن أقامك في الخفاء فاستتر، وإن أقامك في مجالس القرآن الكريم فتذكر قوله ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» ⁽³⁾.
وما ألطف ما يُتغنى به في مقامات العارفين:
"في حُسْنِنَا وبِحُسْنِنَا حَدِّثْ وَلَا حَرَجُ
مَا دُمْتَ تَمْدَحُ حُسْنَنَا تَعْلُو عَلَى الدَّرَجِ" ⁽⁴⁾
فالمعول عليه هنا هو الإرادة؛ إرادة الظهور أو الخفاء. مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ⁽⁵⁾. فاسأل نفسك يا ولدي: ماذا تريد؟ أنت البصير على حالك، فـ "الإنسان على نفسه بصيرة"، راقب نبضات قلبك ونواياك. المحذور هنا هو ادعاء الإرادة مع الله، فإن وجدت من نفسك رغبة في الكلام فاصمت، وإن وجدت منها ركوناً إلى الصمت والبطالة فتكلم إن كنت تعلم.
الظهور الحق: تجرد في قلب الأسباب
واعلم أن حبك للظهور المذموم لا علاقة له بإظهار الله لك متى أقامك هو في أسباب الظهور. ففي الحديث الجليل عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ⁽⁶⁾، ذُكر الإمام العادل. وأي منصب أظهر للناس من الإمامة؟ ولكنه أظهر بإمامته حكم الله في الأرض، وأخفى في طياتها شهوته النفسية، فالعدالة تقتضي منه أن يوفي الحق حقه، وأن يعطي الخلق حقوقهم. هذا الإمام أقام نفسه ودفنها في أرض الخمول رغم ظهوره، لأنه دفن نفسه في مراد الله منه، فطوى حظوظ نفسه، وتأدب مع مالك الملك الذي أقامه في دائرة المُلك، فغاب عن رؤية ذاته، وقام في الخلق خادماً، وبين يدي الحق شاكراً.
وكذلك الشاب الذي نشأ في عبادة الله، فالشباب مظنة الفتوة والقوة، بينما الطاعة تقتضي التذلل والسجود، فكانت فتوة هذا الشاب أن استعان بصحة بدنه لتتضاعف بها صحة قلبه، فأخلص وأقبل على مولاه. وكذلك الرجل الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين. هؤلاء جميعاً حققوا شرط البذرة، ولذلك أثمرت أرواحهم، لأنه "فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه".
آفات النفوس: السمعة والرياء والعجب
وسلني يا ولدي عن الفوارق الدقيقة بين أدواء النفوس الخفية؛ السمعة، والرياء، والعجب.
السمعة؛ أن تأتي بعمل ظاهره الطاعة، ولكن مرادك الخفي أن تسمع بك الناس، وأن يذيع صيتك بينهم بالتقوى والبر والإحسان. أما الرياء؛ فهو عمل ظاهره الطاعة وباطنه فاعل يتلهف لأن يراه الناس. وأخطرهم العجب؛ وهو عمل ظاهره الطاعة، وباطنه فاعل غارق في رؤية نفسه، لا يرى إلا إياها.
وقد حذرنا المعصوم ﷺ من مغبة ذلك فقال: «من سمَّع سمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به» ⁽⁷⁾. ومعنى أن يُسمِّع الله به؛ أن من أراد الإنجاز والتأليف والبناء ليذكره الناس، فسيحقق الله له ذلك في الدنيا، ولكن إن سُمِّع به في الدنيا، فُضح في الآخرة! حين تُنشر مساوئه على رؤوس الأشهاد. فقد أظهرت للناس كمالاتك متستراً بستر الله، ولم تتأدب مع هذا الستر الجميل، فكان عدل الله يوم القيامة أن يظهر فضائحك، لأنك حين سُترت لم تشكر ولم تستغفر، وكان الستر رسالة إلهية مؤدبة لتتوب. فيأتي العبد يوم القيامة وكان يزن عند الناس ملء الكون، فإذا وُضع في ميزان الحق لم يزن شيئاً.
تقويم القلوب قبل تقويم الحروف
ولهذا المعنى الدقيق، حين ذهب سيدي الإمام أبو الحسن الشاذلي ⁽⁸⁾ ليأخذ العهد من قطب زمانه سيدي عبد السلام بن مشيش ⁽⁹⁾، أمره بالجلوس وقال له ناصحاً: "يا بني، لا تتعلم ليعرفك الناس، ولكن تعلم لتعرف الله. ولا تتكلم بعد العلم، ولا تتكلم ليسمع بك الناس، ولكن تكلم ليسمعك الله. فإن عرفت الله؛ عرَّف بك الناس، وإن سمعك الله؛ أسمع بك الناس".
ولن تتمكن من الدفن في أرض الخمول إلا بضبط أمرين: ضبط القلب، وضبط الحرف.
يُحكى أن أحد الصالحين ارتحل يطلب العلم، فدلوه على ولي من أولياء الله المتقين. فدخل المسجد، فوجد الشيخ يقرأ بالناس سورة الفاتحة، ولكن أحكام تلاوته كانت بسيطة لا ترتقي لإتقان مهرة القرَّاء. فاستنكر طالب العلم ذلك في نفسه وقال: "يا نهار أبيض!"، ولم يرضَ حتى بالسلام على الشيخ، فحمل نعليه وولى هارباً من المسجد. وما إن خرج حتى اعترضه أسد هصور، ففزع وعاد أدراجه يركض ليحتمي بالشيخ.
تعجب الشيخ وسأله: "ما بك يا بني؟"، فأجابه مرعوباً: "يا سيدي الشيخ، بالباب أسد!". فخرج الشيخ بثبات وقال: "أين الأسد؟ تعال أرني إياه". فلما رآه الشيخ، خاطب الأسد قائلاً: "ألم أقل لك من قبل ألا تتعرض لضيوفي؟"، فتنحى الأسد ولى مدبراً. بهت طالب العلم وقال: "الله الله! ما هذا؟"، فأجابه الشيخ العارف بحكمة بالغة ⁽¹⁰⁾: "يا ولدي، اهتممتم بتقويم الحروف دون القلوب، فخوفتكم الأسود. واهتممنا نحن بتقويم القلوب قبل الحروف، فخافتنا الأسود!". فالأصل يا ولدي أن تعمر قلبك بمخافة الله، وأن يكون قصدك ووجهتك هو الله، وأن تضبط بوصلة قلبك على مراد الرب أولاً.
دلال المحبين وسعة الرحمة
ولنختم بذكر إمام العارفين أبي يزيد البسطامي ⁽¹¹⁾، حين ذهب يوماً إلى قرية يلقي فيها دروس العلم لبعض الطلاب. ولما همَّ بالخروج منها، خرجت القرية عن بكرة أبيها تهلل له وتعظمه، ويلهجون بالصلاة على النبي إجلالاً لقدر الشيخ. في تلك اللحظة، سمع أبو اليزيد هاتفاً في سره يناديه: "آه يا أبا اليزيد، لو أطلعتُ الناس على عيوبك ما وقف لك منهم أحد!".
ولكن، لأن أبا اليزيد كان من أهل الصفاء، وكان له دلال المحبين مع مولاه، رد مناجياً ⁽¹²⁾: "يا رب، ولأنت ستير حليم، أقسم لو أطلعتهم على سعة رحمتك.. ما سجد لك منهم أحد!".
