تجليات العبودية الحقة: سر الارتباط بين الصبر والتقوى ومعراج الإسراء والتكريم
۞سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١
تجليات العبودية الحقة: سر الارتباط بين الصبر والتقوى ومعراج الإسراء والتكريم
سياق الإشارة
ربط الشيخ جابر بغدادي في درسه بين مقام العبودية التام الذي تحلى به النبي ﷺ في الصبر والرضا، وبين التكريم الإلهي في الإسراء والمعراج، مؤكداً أن الصبر والتسليم هما الباب الأعظم لكل عروج روحاني.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، خاتماً رحلة التأملات الروحانية ورابطاً بين التزكية السلوكية والمنح الإلهية: إن تأمل القرآن العظيم يكشف لنا عن سر التقاء الصبر بالفتح المبين؛ فبعد أن أمر الحق سبحانه بالصبر في خاتمة النحل وبشر بمعيته للتقاة والمحسنين، افتتح السورة التالية بإعلان التكريم العظيم في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾.
يشير الشيخ إلى أن التعبير بلفظ "عبده" دون اسمه أو لقبه، هو تكريم لمقام العبودية التامة التي تجلت في المصطفى ﷺ يوم أحد وفي سائر ابتلاءاته؛ فالعبد وهو صابر مع الله، وهو راض مع الله، وهو محسن مع الله، مندرج في تمام طي كمالات العبودية التي تستحق الإسراء والمعراج.
ويستنبط الشيخ جابر بغدادي من هذه الإشارة أن الرضا المطلق بمشيئة الله هو سر الرقي والعروج؛ فكمال الرضا يكمن في يقين العبد أن الله يعلم ما به، ومطلع على بلواه، ورأى الظالم وهو يعتدي.
ويضيف الشيخ أن شهود العبد بأن الله يراه وأنه في معية ربه، يغلبه على سخطه ويوزعه الاكتفاء بمشيئة الخالق تسليماً لقضائه، وهذا عين ما أشار إليه سيدي الإمام أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ، حجة الإسلام ومحيي علوم الدين) في بيان أن الرضا هو باب الله الأعظم ومستراح العابدين.
ويشهد لهذا الفضل ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان) عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا».
فالشيخ يؤكد أن من تحقق بصفاء العبودية والتسليم كان هو النجم الذي هوى خضوعاً للحق، فكافأه المولى بمعراج الإسراء والرفعة.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الترقي في معارج القرب والشهود منوط بتمام التحقق بمقام العبودية والرضا؛ فكلما ازداد العبد صبراً وتسليماً لقضاء ربه في ليل الابتلاء، أسرى الله بروحه إلى فضاءات الفتح والتكريم.
