أسرار التنزيه الإلهي وطي مسافات الابتلاء بمقام العبودية
۞سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١
أسرار التنزيه الإلهي وطي مسافات الابتلاء بمقام العبودية
سياق الإشارة
استشهد الشيخ بهذه الآية الجليلة في سياق بيانه لأسرار الفواتح القرآنية، ليضع قاعدة سلوكية تواسي المكروبين، مبيناً كيف يُطوى العالم للمتحققين بمقام العبودية، ومؤسساً لمشروعية التعلق بالصالحين.
نص الإشارة
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الآية مبحراً في أسرار التنزيه ومقامات السلوك: يا ولدي، إن المتأمل بعين البصيرة في كتاب الله يجد أن سور القرآن الكريم قد تعددت وتنوعت فواتحها لحكم ربانية دقيقة.
فمنها ما بدأ بالثناء والحمد كقوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ومنها ما بدأ بالوعيد كقوله ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، ومنها ما افتُتح بالحروف المقطعة لكسر كبرياء العقل البشري أمام سر الله كـ ﴿كهيعص﴾ و﴿الم﴾ و﴿يس﴾ و﴿ن﴾ و﴿ق﴾، ومنها ما استُهل بالاستفهام كقوله ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾، أو بالقسم الإلهي كقوله ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾.
بيد أن سورة الإسراء، يا ولدي، قد اختصت بافتتاح جليل يهز أركان الغفلة في القلوب، فقد بدأت بالثناء الإلهي المطلق، حيث يثني الله جل جلاله فيها على نفسه ويسبح ذاته العلية.
ومتى رأيت الحق سبحانه وتعالى يُسبّح نفسه، فاعلم يقيناً أنه يتحدث عن معجزة كبرى تخرق عادات الكون وتتجاوز مألوف العقول ومقاييس الأسباب.
ثم يغوص الشيخ في أسرار هذه الرحلة القدسية مبيناً معالم الطريق للسالكين قائلاً: لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج انتقالاً روحياً ومادياً من مسجد إلى مسجد.
وهذا التحديد الإلهي يضع لنا قاعدة سلوكية عظمى؛ وهي أن هذه الدنيا بجميع ما فيها من زخرف وزينة، لا يُحترم فيها حقيقةً إلا مواطن السجود لله، ولا التفات فيها بكليتها إلا لتلك المواطن التي يتصل فيها الخلق بالحق.
أسرى الله بحبيبه من مسجدٍ لتتعاظم فريضة الصلاة في عيون العباد، وانتهى به إلى مسجدٍ حتى يعرف الناس أن الكون كله ممتد من مسجد إلى مسجد.
فكأن الشريعة الغراء ترسم لك حدود وجودك الآمن: الحد الشرقي مسجد، والحد الغربي مسجد، فأنت تمضي في مسيرك إلى الله بين مسجدين.
ويوجه الشيخ نداءً دافئاً مفعماً بالمواساة للمكروبين: يا ولدي، إن الناس الذين كبروا الدنيا في قلوبهم، وعاشوا أزمات عظيمة وانطووا في سراديب الاكتئاب والضيق، لو أدركوا حقيقة أن المسجد هو محل نظر الله في الكون لتبددت همومهم وانشرحت صدورهم.
فمن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، طوى الله مسافات العالم كله تحت تلك القدم الشريفة التي سال منها الدم في الطائف.
كأن الحق جل جلاله يقول لنبيه المصطفى ﷺ وهو راضٍ عنه: يا حبيبي، إن سال الدم الشريف من قدمك، وآذوك، وضربوك، وسبوك، وأرادوا أن يقتلوك، فإن هذا العالم كله الذي تعيش فيه، تستطيع بقدرتي الباهرة، ما دمت قد تحققت بوصف "العبودية" الصرفة، أن يُطوى لك في لمح البصر، بل في أقل مما يسمى دفء الفراش.
وهذا المعنى السلوكي يتوافق تماماً مع ما أصله سيدي الإمام ابن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة ٧٠٩ هـ، قطب العارفين وصاحب الحكم) حين بين أن العبد إذا تحقق بأوصاف عبوديته من ذل وافتقار، أمده الله بأوصاف ربوبيته في خرق العوائد ونصرته على نوائب الدهر.
ثم يستطرد الشيخ في بيان سر الإسراء الباطني، مستشهداً بما أخبر به النبي ﷺ حين قال: «مَرَرْتُ علَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي عِنْدَ الكَثِيبِ الأحْمَرِ، وَهو قَائِمٌ يُصَلِّي في قَبْرِهِ» (كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى عليه السلام، برقم ٢٣٧٥).
يوضح الشيخ أن مرور النبي ﷺ على عوالم البرازخ لم يكن مجرد صدفة، بل ليفهم الناس ويدرك السالكون أن "معارج المنن" والمواهب اللدنية، والمعارف الإلهية والحقائق العالية، إنما تتأتى بصدق التعلق بالصالحين.
فلم يُفوت النبي ﷺ، وهو المندوب إلى المقامات العلى، أن يشير إلينا بأهمية زيارة الصالحين، الأحياء منهم والمنتقلين.
وهذا التأصيل يسكت كل من ينكر على أهل الله زيارتهم لمقامات الأولياء، ويؤكد عقيدة التصوف السني المعتمد الذي أرسى قواعده سيدي الإمام أبو القاسم الجنيد البغدادي (المتوفى سنة ٢٩٧ هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين) المبني على الكتاب والسنة والمحبة الخالصة لله ولأوليائه.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: إن التنزيه الإلهي في مطالع السور هو مفتاح لتجليات القدرة المطلقة، وأن طي مسافات البلاء ورفع الكروب إنما يتحقق بكمال الانطراح في مقام العبودية، وأن زيارة مقامات الصالحين من أعظم أبواب الاستمداد الروحي ومعارج المنن للسالكين.
