زلزلة القلوب ومخاض الصبر في طريق الوصال
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤
زلزلة القلوب ومخاض الصبر في طريق الوصال
سياق الإشارة
ساق الشيخ هذه الآية الكريمة موبخاً النفوس التي تستعجل الثواب والنصر دون المرور بتمحيص الابتلاء، مؤكداً أن طريق الجنة والوصال محفوف بهزات عنيفة تصفي الروح من شوائب التعلق بالدنيا.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية، مؤكداً ما أصله سابقاً من ضرورة فناء الإرادة والتسليم في سورة الأحزاب: إن طريق القرب من الله ليس مفروشاً بالورود والراحات، بل هو صراط يستلزم امتحان الصدق في ادعاء المحبة. يتساءل الشيخ مستنكراً حال المدعين: "أين الصبر؟"، ثم يوجه بوصلة القلب نحو الآية الكريمة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾. إن هذه "الزلزلة" يا ولدي ليست عقاباً، بل هي مخاض روحي، ورجٌّ لكيان العبد حتى تسقط من قلبه كل الآلهة المزيفة، وكل الاعتمادات على الأسباب الدنيوية. لا بد أن تشتد العواصف على سفينة قلبك حتى تنقطع بك كل الحيل، ولا يبقى على لسان حالك ومقالك إلا نداء الاضطرار مع النبيين والصديقين: "متى نصر الله؟". وحين يبلغ الانكسار منتهاه، ويفرغ القلب لله وحده، تتنزل لطائف البشرى الإلهية سريعة غياثة: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. إن الله يبتلي السالك ليختبر ثباته وقت الجزر، فمن ثبت حين تنقبض الأقدار، أهله الله لتلقي أنوار البسط والنصر الدائم. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الابتلاءات والشدائد هي أدوات الحق في جلاء مرآة القلب، وأن تأخر الفرج لا يعني تخلي الله عن عبده، بل هو تربية ربانية لتعميق مقام الاضطرار واستكمال طهارة الروح قبل حلول التجلي.
