ضريبة الوصل وميراث الأنبياء في الصبر على البأساء
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤
ضريبة الوصل وميراث الأنبياء في الصبر على البأساء
سياق الإشارة
أورد الشيخ هذه الآية الكريمة ليواسي المتألمين ويربط قلوبهم بسير الأنبياء العظام، مبيناً أن طريق الجنة والقرب من الله محفوف بالمكاره، وأن الابتلاء هو ميراث الأصفياء الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وأرواحهم.
نص الإشارة
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الآية مبرزا سنة الابتلاء في الأنبياء والأصفياء، ومواسياً لكل قلب أثقلته هموم الطريق: يا ولدي، إياك أن تظن أن طريق الجنة مفروش بالورود، فـ "ولا تحسبن الوصل سهلاً مناله"؛ فالقرب من الحضرة الإلهية له ضريبة، ومقامات الإحسان تُنال بصدق التسليم في أشد اللحظات زلزلة.
ويؤكد الشيخ هذا المعنى الجلي بربطه الوثيق بسير الأنبياء الذين هم سادة السالكين وأئمة المتقين؛ فإذا شعرت بثقل البلاء، فالتفت إلى الوراء وانظر في ديوان الخالدين.
لقد ناح نبي الله نوح عليه السلام طويلاً، وقاسى من قومه ما قاسى، وهذا نبي الله زكريا عليه السلام يُشق بالمنشار نصفين ولا يثنيه ذلك عن التوحيد، وذاك نبي الله يحيى عليه السلام يُقتل صبراً ويُقدم رأسه مهراً لصدعه بالحق! إن الزلزلة المذكورة في الآية ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾ ليست زلزلة شك في وعد الله، بل هي زلزلة شدة واضطراب من ثقل البأساء والضراء، وهو استبطاء لفرج الله مع كمال اليقين بمجيئه.
ولذلك جاء الرد الإلهي السريع المطمئن كبلسم يمسح على الجراح: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
وهذا الفهم ينسجم تماماً مع ما قرره أئمة الفقه والتزكية كالإمام الغزالي (المتوفى سنة 505 هـ، حجة الإسلام) بأن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.
فالشيخ هنا يضع قاعدة للسالك: لا تستوحش طريق الابتلاء، فقد سار فيه قبلك أحباب الله وأصفياؤه، وما مُسوا بالضراء إلا لتُرفع درجاتهم في جنات النعيم.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الابتلاء بالبأساء والضراء ليس علامة طرد أو هوان، بل هو طريق الاصطفاء وميراث النبوة، وأن استبطاء النصر لا ينافي الصبر، بشرط اليقين التام بأن فرج الله آتٍ لا محالة.
