لطف العتاب وأنس الخطاب في حضرة الأحباب
عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣
لطف العتاب وأنس الخطاب في حضرة الأحباب
سياق الإشارة
جاء استشهاد الشيخ بهذه الآية الكريمة في سياق تأسيسه لمقام المحبة الصادقة التي تستر العيوب، حيث كان يبين أن المُحب الحق لا يُلجئ حبيبه لمرارة الاعتذار، واستدل على ذلك بأرقى مراتب المعاملة الإلهية مع الحبيب المصطفى.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مبرزاً معنىً جليلاً في مقامات المحبة والأدب مع الله والخلق: إن المحب الصادق، يا ولدي، يتغاضى عن الزلات ولا يحوج حبيبه أبداً إلى ذل الاعتذار والانكسار؛ لأن المحبة الحقيقية تستر القصور وتعلم الأرواح. ويستفيض الشيخ في إبراز هذا المعنى العظيم من خلال استدعاء منهج السلف الصالح في التماس الأعذار، حينما يُسأل المرء عن مدى مسامحته لأخيه المسيء، فيأتي الجواب مستنداً إلى الأثر المروي عن (أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، المتوفى سنة 104 هـ، وهو من كبار سادات التابعين وعبّادهم): أن تلتمس لأخيك سبعين عذراً، فإن لم يقبل قلبك واحداً منها بعد كل هذا الجهد، فضع خدك على التراب انكساراً ومحواً لرعونات النفس وكبرها، وقل لها: دُس لعل الله يخرج ذلك الغل من قلبك. ثم يرتقي بنا الشيخ من معاملة الخلق للخلق إلى مقام شهود معاملة الحق جل جلاله، مبيناً أن الدين ليس مجرد حركات ظاهرة في الصلوات فحسب، بل هو تخلق بأخلاق الجمال الإلهي وسعة الرحمة، ويستدل على ذلك بالحديث النبوي الشريف: «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» (صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب، حديث رقم 2759). فالكريم سبحانه يبسط يده بالليل لا لينتظر الاعتذار فحسب، بل ليكرم من أساء؛ لأن كرم الكريم ينجلي في عطائه وتفضله على من لا يستحق، كما تتجلى عواطف الحب الصادق حين لا يحوج المحب محبوبه للاعتذار. ويلفت الشيخ نظرنا إلى مفارقة بديعة؛ وهي أن العبد إذا عمل أجيراً عند عبد مثله أفنى عمره وانقضى أجله في الكد، ولكن إذا استعمله الحق سبحانه وتعالى في طاعته أفاض عليه من نوره ومدده المتصل الذي لا ينقطع. وتتويجاً لهذا المعنى العظيم، يقف الشيخ أمام قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾، ليرينا كيف تعامل الحق سبحانه مع حبيبه المصطفى ﷺ. تأمل يا ولدي كيف قدم الله جل جلاله ""العفو"" على ""المعاتبة""، في مشهد نوارني يسميه العارفون ""لطف العتاب وأنس الخطاب"". لم يعاتبه الحق ابتداءً لئلا يورثه كسرة الخجل في مقام القرب، بل طمأنه بالعفو والستر أولاً. وفي شرع الله لا محاباة لأحد، فالنبي ﷺ لم يخطئ، بل أصاب عين الكمال في اجتهاده، ولكن الحق سبحانه أراد له المقام الأكمل، ولذا كان هذا العتاب اللطيف لتهذيب الكمال بما هو أكمل منه، دون أن يوقفه في موقف المعتذر المنكسر. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن مقام المحبة العالي يقتضي تقديم العفو والستر على العتاب والسؤال، وأن عتاب الله لأحبائه هو محض ترقية وتجلٍّ للود، حيث تُسبق فيه الطمأنينةُ المحاسبةَ، ليعلم المريد أن طريق الله مبني على الرحمة المحضة التي لا تلجئ العبد لكسرة الخجل.
