Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/إشارات من القرآن/بَلاغَةُ الوِدادِ ولُطْفُ العِتابِ: قِراءَةٌ إشاريَّةٌ في تَقديمِ العَفْوِ عَلى المَلامِ
سورة التوبَة - الآية ٤٣الأخلاق

بَلاغَةُ الوِدادِ ولُطْفُ العِتابِ: قِراءَةٌ إشاريَّةٌ في تَقديمِ العَفْوِ عَلى المَلامِ

لهذه الآية أكثر من إشارة بحسب سياق الاستشهاد

هذه إشارة مستفادة من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
سورة التوبَة، الآية ٤٣
عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣

بَلاغَةُ الوِدادِ ولُطْفُ العِتابِ: قِراءَةٌ إشاريَّةٌ في تَقديمِ العَفْوِ عَلى المَلامِ

سياق الإشارة

جاءَ استشهادُ الدكتور جابر بغدادي بهذهِ الآيةِ الكريمةِ في سياقِ إرساءِ قاعدةٍ سُلوكيَّةٍ وأخلاقيَّةٍ عُليا، مَفادُها أنَّ المحبَّ الصَّادقَ لا يُحوجُ حبيبَهُ إلى مَذلَّةِ الاعتذارِ، مُبرزاً كَيفَ أنَّ المشرِّعَ الحكيمَ سُبحانَهُ بَدأَ خِطابَهُ لمصطفاهُ ﷺ بالنَّدى قبلَ المَلامِ.

نص الإشارة

قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية، كاشفاً عن أسرار أدب الوداد الإلهي ولطف العتاب: إن كمال المحبة يا ولدي، يقتضي ألا يحوج المحبوب من أحبه إلى مذلة الاعتذار وانكسار النفس.
وتأمل معي كيف تتجلى هذه الحقيقة السلوكية في أبهى صورها حين نطالع خطاب الملك جل جلاله لحبيبه ومصطفاه في سورة التوبة: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾.
فقد وقف أئمة التحقيق أمام هذا النص البديع، ومنهم الإمام أبو القاسم القشيري (المتوفى سنة ٤٦٥ هـ، أستاذ الطريقة ومقنن علم التصوف)، حيث أشار في تفسيره الإشاري إلى أن هذا التصدير يسمى في لغة القوم 'لطف العتاب، وأنس الخطاب'.
ففي شرع إلهي منزه عن المحاباة ولا يجامل أحدا، نجد أن الله سبحانه وتعالى قد قدم صك الأمان والبراءة بقوله ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾، قبل أن يطرح أداة المراجعة والاستفهام ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾.
ويشرح الشيخ جابر هذا السر الذوقي العميق قائلا: إن النبي حين أذن للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك، فإنما تصرف بمقتضى الجبلة البشرية المجبولة على كمال الرحمة والتيسير على الخلق، وهذا هو مقام 'الكمال'.
غير أن المراد الإلهي في ذلك الموقف كان يستدعي إعمال مقام الحزم وكشف حقائق السرائر، وهذا هو مقام 'الأكمل'.
فكان لزاما على 'الأكمل' (وهو الله جل في علاه) أن يهذب 'الكمال' (وهو تصرف النبي ﷺ) بما هو أكمل منه.
ولكن انظر يا ولدي إلى أدب الودود مع الحبيب؛ فلو أن الخطاب بدأ مباشرة بقوله: (لم أذنت لهم؟)، لتصدع القلب النبوي الشريف، وذاب من هيبة الجلال وحياء المعاتبة.
فسبق اللطف الإلهي، وأسبغ عليه رداء العفو أولا؛ ليسكن روعه، ويؤمن قلبه، ويقرر للأمة إلى يوم الدين أن مقام النبوة محفوظ بعناية سبقت، وأن الكريم إذا أحب عبدا، أفاض عليه من نوره ومدده، ولم يتركه لوحشة الانكسار.
وهذا المعنى يتصل اتصالا وثيقا بما يقرره الشيخ في ذات الدرس من أن خلق الدين يقوم على بسط الرحمة؛ كما في قوله في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (كتاب التوبة، باب قبول توبة الذنوب وإن تكررت): «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل...».
فالذي يبسط يده للمسيء كرما وتوددا، هو ذاته الذي يعاتب حبيبه باللطف ودادا؛ لأن الكريم يبدو كرمه الحقيقي عندما يعطي من لا يستحق، ولا يحوج من أحب إلى تجرع مرارة الاعتذار.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن كمال المعاتبة بين المحبين يجب أن يصدر بالتأمين وإظهار المودة قبل العتب، وأن الكريم الحق هو من يسبق فضله عدله، فيستر الزلة، ويرفع الحرج، ويمنح العطاء والمدد لمن يحبه دون أن يلجئه إلى مذلة الاعتذار.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا