سر التمكين وعمارة الأرض: إشارات صوفية في ولاية يوسف الصديق
قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ٥٥
سر التمكين وعمارة الأرض: إشارات صوفية في ولاية يوسف الصديق
سياق الإشارة
استشهد الشيخ بسيرة نبي الله يوسف عليه السلام في سياق تصحيح الفهم المغلوط لمعنى الزهد لدى الشباب، مبيناً أن رعي الأنبياء للغنم لا يعني الرضا بالدون، بل إن كمال النبوة قد يتجلى في تقلد الوزارة وعمارة الأرض وإنقاذ العباد.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مصححاً لفهوم الزهد القاصرة ومؤسساً لروح عمارة الأرض، إننا حين نقرأ سير الأنبياء يجب أن نقرأها بعين البصيرة التي تدرك مقامات السلوك وتزكية القلوب.
يا ولدي، لقد توهم البعض أن طريق الوصول إلى الله يقتضي الانعزال والفقر، واستدلوا بظاهر الحديث الشريف «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم» كما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، ليبرروا إخفاقهم الدنيوي.
ولكن الحقيقة السنية الناصعة التي يقررها هذا النص القرآني العظيم في قصة سيدي نبي الله يوسف عليه السلام، تدحض آفة الكسل وادعاء الزهد الكاذب الذي تتخفى وراءه "النفس الأمارة بالسوء".
إن النبوة والولاية لا تتنافى أبداً مع المناصب الكبرى وعلو الهمة، فمن أنبياء الله من كان ملكاً، ومنهم من كان أميراً، ومنهم من كان وزيراً.
وتأمل بقلبك يا ولدي كيف تجلت نبوة يوسف الصديق في تحمل مسؤولية إنقاذ العالم بأسره، حين قال: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، فحفظ سلة الغذاء في الأرض طيلة خمسة عشر عاماً.
لقد طلب الولاية والمكانة الدنيوية لا حباً في الظهور أو طمعاً في جاه، بل نفعاً للعباد وتحقيقاً لمراد الحق في الاستخلاف، وهذا هو عين "عبودية الكمال" التي يتشرف بها العارفون.
إياك يا ولدي أن تظن أن الزهد يقتضي ألا تنجح في حياتك، أو أن ترضى بالدون متعللاً بأن الأنبياء رعوا الغنم.
فرعي الغنم في حقهم كان تدريباً ربانياً وحكماً إلهياً لزيادة كمالهم، أما نحن فلا ينبغي أن نركن إلى الفاقة والافتقار.
بل الزهد الحقيقي في طريقنا هو أن تكون طبيباً ناجحاً، أو أستاذاً في الجامعة، أو وزيراً تعمر الأرض، وتملك مفاتيح الدنيا بيدك لتطوعها لخدمة أمة الحبيب المصطفى ﷺ، بينما قلبك خلوٌ من التعلق بها، تماماً كما أعلن نبينا ﷺ عن مقام تمكينه قائلاً: «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض» كما أخرجه الشيخان في صحيحيهما؛ فملك الدنيا في يده، وبقي قلبه معلقاً برب الخزائن.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: إن طلب المقامات الدنيوية والولايات الكبرى بنية نفع العباد وعمارة الأرض هو من صميم كمال التزكية، وأن الزهد الحقيقي لا يعني الفشل أو الفاقة، بل يكتمل بامتلاك الأسباب والتفوق فيها مع تفريغ القلب لله رب العالمين.
