الإنسانية رحم الدين: حماية الأرض وعمارتها في منهج الأنبياء
قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ٥٥
الإنسانية رحم الدين: حماية الأرض وعمارتها في منهج الأنبياء
سياق الإشارة
استشهد الشيخ بقصة سيدنا يوسف عليه السلام ليؤكد أن الدين الإسلامي هو رسالة إصلاح وعمارة ونجاح وإنسانية كبرى، مبرزاً كيف أن الأنبياء كانوا قادة في حفظ البشرية وتأمين احتياجاتها وقت الأزمات الكبرى، رداً على من يفصلون الدين عن عمارة الأرض وخدمة المجتمع.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مبرزاً معنىً جليلاً من معاني النبوة وهو حمل همّ الإنسانية: وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً من أن نفع الخلق هو قمة العبادة، ويتجلى ذلك بأبهى صوره في قصة سيدنا يوسف عليه السلام حين قال: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. لم يطلب يوسف عليه السلام الولاية رغبة في سلطة أو جاه، بل طلبها ليكون أميناً على بطون العباد، و"حفيظاً" لسلة الغذاء لكوكب الأرض مدة خمسة عشر عاماً. انظر يا ولدي كيف كان نبي الزمان، المتصل بوحي السماء وجمال المشاهدة، خادماً لبطون الجياع في الأرض. لقد كان جوع الناس "هاجساً مفاجئاً" كما عبر الشيخ، فتصدى له نبي عظيم بمنهج الإدارة والإصلاح والرحمة. وقد سار على هذا الدرب ساداتنا العارفون قديماً وحديثاً، فها هو الإمام بشر الحافي (ت 227 هـ، من سادات الصوفية وأعلام الزهد في زمانه) كان يرتجف في أيام البرد الشديد، ولما سُئل عن ذلك قال: "ذكرت عراة الفقراء وليس لي ما أكسوهم، فأحببت أن أواسيهم في بردهم". هذا هو الإحساس العميق بالإنسانية الذي قصده الشيخ حين قال: "الإسلام كله دعوة إلى النجاح، الإسلام كله دعوة إلى الإصلاح، الإسلام كله دعوة إلى العمارة... بل أقول إن الإسلام رحم الإنسانية ورحمتها". لم يكتفِ يوسف عليه السلام بعبادته وخلوته في السجن، بل خرج ليعمر الأرض ويطرد الجوع عن أهلها، متأسياً بأخلاق النبوة التي تجعل من إطعام الطعام وتأمين الخائفين جوهر الدين، ومصداقاً لقوله ﷺ: «ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام» (رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات). فالدين ليس انسحاباً من الحياة، بل هو توغلٌ فيها بنورانية تُصلح ما أفسدته مادية البشر. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الولاية الحقيقية والتمكين في الأرض ليسا غاية للسيطرة بل هما أدوات ربانية لخدمة عيال الله، وأن من تولى أمراً من أمور المسلمين فحفظ أقواتهم وستر عوراتهم وطرد جوعهم، فقد ورث حالاً من أحوال النبوة، ونال شرف الانتساب الحقيقي لرحم الإنسانية الموصول بنور الله.
