حبل الله المتين ونعمة التأليف بين القلوب المحمدية
وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠٣
حبل الله المتين ونعمة التأليف بين القلوب المحمدية
سياق الإشارة
استشهد الشيخ بالآية الكريمة في سياق حديثه عن إخماد نار الفتنة في غزوة بني المصطلق، ليؤكد أن النبي ﷺ هو النعمة العظمى والحبل المتين الذي تُدرأ به الفتن وتُجمع به القلوب المشتتة.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الآية مبرزاً أسرار الاعتصام والالتجاء الحضري: انظر يا ولدي بعين البصيرة إلى غزوة بني المصطلق، حينما نشبت فتنة عمياء أجج نارها اليهود بين الأنصار والمهاجرين. أقبل النبي ﷺ مسرعاً، وقال بلسان النبوة المربي والمشفق: «أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟» (أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب التفسير). ثم تلا عليهم قول الحق جل جلاله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. يبين الشيخ أن "حبل الله" هنا هو القرآن، وهو الدين، والاعتصام به يعني الرجوع الصادق إلى الله. فإن شق عليكم الأمر ولم تقووا، فارجعوا إلى تلاوة القرآن، وإن عجزتم، فامسكوا بهدي النبي المصطفى وتشبثوا بمحبته. ويشير الشيخ إشارة صوفية لطيفة، تتوافق مع مدارك العارفين كالإمام ابن عطاء الله السكندري (ت: ٧٠٩ هـ، قطب العارفين وصاحب الحكم العطائية)، إلى أن "حبل الله" الممدود هو سيدنا النبي ﷺ، و"نعمة الله" المهداة للخلائق هي سيدنا النبي ﷺ. وببركة تلاوة هذه الآيات المحمدية انطفأت نار الفتنة، وعادت القلوب إلى صفائها. وهذا يذكرنا بسماحة هذه الأمة المحمدية العظيمة، حيث يتجلى كرم الله كما في الحديث المتفق عليه في صحيحي البخاري ومسلم (كتاب الجهاد والسير): «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ»، وكل هذا الكرم الإلهي ما نزل إلا إكراماً لخاطر المصطفى ﷺ وتأليفاً بين قلوب أمته. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن النبي المصطفى هو نعمة الله العظمى وحبله المتين الذي تُعصم به الأمة من التمزق، وأن الرجوع إلى حضرته ومحبته هو السبيل الأوحد لإطفاء نيران الفتن وإحياء الأخوة الصادقة.
