العمل شكرًا: الارتقاء من طلب الأجر إلى الحياء من المنعم
يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ١٣
العمل شكرًا: الارتقاء من طلب الأجر إلى الحياء من المنعم
سياق الإشارة
استدعى الشيخ هذه الآية ليوجه قلوب الصائمين إلى أعلى مراتب النية، حيث يتحول العمل والطاعة من مجرد وسيلة لطلب الأجر إلى غاية للتعبير عن الشكر لله على نعمة التوفيق للطاعة ذاتها.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مبرزاً المعنى الأسمى للعبادة: يا ولدي، شتان بين من يقف بين يدي مولاه ليطلب الأجر، وبين من يقف أمامه وقد غمره الشعور بالعجز عن الشكر. إن الصيام في النهار هو فضل من الله عليك، والقيام في الليل هو شكر لهذا الفضل، ثم تصوم في اليوم التالي لتشكر نعمة القيام، وهكذا تظل تتقلب في دوامة من العجز عن إيفاء حق المنعم، مستحيياً أن تعصاه، وحينها يتحقق وعد النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: «مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» (صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان، حديث رقم 760).
وقد كان دأب الصالحين أن يروا العمل شُكراً لا عِوضاً، كما ورد في إشارات الإمام ابن عجيبة (ت 1224 هـ، العالم الصوفي المفسر وصاحب البحر المديد)، أن العبد إذا شهد المنعم ذابت دعواه في عمله. فالله سبحانه وتعالى لا يريد منك العمل كجهد بدني فقط، بل يريده تعبيراً عن امتنائك. ولذلك جاء الخطاب القرآني ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ ليؤكد أن الطاعة ليست تكليفاً شاقاً، بل هي "شكر" على النعم السابغة. وهذا يربطنا إشاريّاً بما أصله الشيخ سابقاً في الآية السابقة بسورة الصافات، فبما أنه هو الذي خلق أعمالنا، فليس لنا إلا أن نرد هذه النعمة بشكر يظهر في صورة العمل، مع الإقرار التام بالتقصير والافتقار. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن أرقى منازل السالكين أن تكون أعمالهم كلها بدافع الحب والشكر، لا بدافع المعاوضة والطلب، فمن عرف عظمة المُعطي استقلّ عمله، ورأى طاعته تفتقر إلى طاعة أُخرى تشكرها.
