Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/موسوعة التوثيق العلمي/التأصيل العلمي لاستنباطات العارفين: أسرار التسبيح ومقامات الجلال والجمال

التأصيل العلمي لاستنباطات العارفين: أسرار التسبيح ومقامات الجلال والجمال

1 استشهادات موثقةحديث متفق عليه (1)تفسير قرآني (1)شعر صوفي (1)أثر موثق (1)

تفريغ الكلمة المباركة

أسرار الكلمات الحبيبات واستشراف رضا رب السماوات اعلم يا ولدي أن في خزائن المنن أسراراً تتجلى على ألسنة الذاكرين، ولعل من أعظمها ما جاء في الحديث الشريف: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن» ⁽¹⁾.
واعلم يقيناً أن أهم من الجزاء ذاته هو بلوغ «الرضا»؛ فقد توّج الحق سبحانه وتعالى نعيم الجنة بأن أسبغ على أهلها رضوانه قائلاً: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ⁽²⁾.
فاستشرافك، يا ولدي، إلى الذكر بهذه الكلمة المباركة يُوجب لك محبةً خالصةً من الله سبحانه وتعالى.
تجليات الجلال والجمال والكمال في التسبيح ولنتأمل يا ولدي في لطائف هذه الكلمات: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
لقد تذوق أهل الله أسرارها ففسروها قائلين: إن قولك «سبحان الله» إشارة إلى «مقام الجلال»، وقولك «وبحمده» إشارة إلى «مقام الجمال».
فهو ذكرٌ بديع يجمع بين توحيد الله من طريق الجلال ومن طريق الجمال معاً.
فماذا عن قولك: «سبحان الله العظيم»؟ إنها إشارة إلى «مقام الكمال».
وفي هذا المقام ترتقي الروح وتذوب في شهود كمال المحبوب، ليتمثل العبد حال أحد العارفين ⁽³⁾ حين قال: «تيّهتموني في بديع جمالكم ...فلم أدرِ في بحر الهوى أين موضعي» دائرة العجز عن الشكر ومقام الافتقار إن جملة «سبحان الله وبحمده» حقيقةٌ يقف عندها العبد خاشعاً، ليناجي ربه بلسان الحال والمقال قائلاً: إلهي، أنت الكبير العظيم وأنا الصغير الضعيف، فلا تؤاخذني؛ فإني لا أجد من الكلمات ما يوفيك حقك.
يا ولدي، إن هذه الكلمات إنما ينطق بها العارفون حقاً وهم مستقرون في دائرة «العجز عن الشكر».
وما دمت قد وصلت مع المحبوب جل جلاله لدرجةٍ تشعر فيها أنك لا تستطيع أن تجد لفظاً يسعفك في الثناء عليه، فاعلم أنك بذلك قد أديت حق شكره.
وقد تجلى هذا المعنى البديع في مناجاة نبي الله داود عليه السلام (نبي الله وخليفته في الأرض) ⁽⁴⁾، حين وقف في مقام الافتقار والعجز عن إيفاء حق المنعم قائلاً: «يا رب، كيف أشكرك، وشكري لك نعمة منك عليَّ توجب عليَّ بها شكراً؟»، فأوحى الله تعالى إليه: «الآن شكرتني يا داود»، وفي توجيه آخر للمعنى ذاته: «إذا عرفت أن ذلك من عندي فقد حمدتني».

بيان التوثيق العلمي

1
حديث متفق عليه
حديث متفق عليه أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح، والإمام مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». وهذا الحديث أصل عظيم في «علم السلوك»، وقد أحسن الشيخ جابر بغدادي في توجيه معناه لاستشراف محبة الله، وهو رد قاطع على الفهم الحرفي الجاف الذي يحصر العبادة في مجرد تحصيل الحسنات المادية دون الترقي في «مقام المحبة»، فمحاربة التذوق الروحي لهذه النصوص النبوية ما هي إلا جناية واضحة على روح الشريعة التي تفيض بالرحمة والجمال. تفسير قرآني سورة التوبة، الآية 72: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وقد أبدع الشيخ جابر بغدادي في استنباط أن الغاية العظمى هي الرضا الإلهي لا مجرد النعيم، مستنداً لنهج سيدي الإمام فخر الدين الرازي (ت: 606 هـ، خطيب الري وإمام المفسرين) في التفسير الإشاري المعتمد. وهذا يدمغ شبهات المتنطعين الذين ينكرون «مقام الإحسان» ويتهمون أهل التصوف بالابتداع لمجرد أنهم يطلبون وجه الله ورضاه متجردين عن حظوظ النفس. شعر صوفي لأحد العارفين وقد أجاد الشيخ جابر بغدادي في الاستشهاد به لبيان مقام الكمال وفناء النفس. وهذا من «القياس الوعظي» المحمود لترقيق القلوب وربطها بمحبة الله، وهو يرد بقوة على الفكر المتطرف الذي يُحرّم إنشاد الشعر الروحي ومدح الجمال الإلهي والنهر النبوي، متناسين إقرار النبي ﷺ للإنشاد والمدح المباشر في مسجده الشريف كما في إقرار حسان بن ثابت وكعب بن زهير، فمحاربة هذا الحب والإنكار على المحبين بحجة الدفاع عن التوحيد ما هي إلا محاولة خبيثة لإسقاط الدين بالدين وإفراغه من محتواه الروحاني السمح. أثر موثق أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ، إمام أهل السنة والجماعة) في كتابه الزهد، والإمام البيهقي (ت: 458 هـ، شيخ الإسلام وعمدة المحدثين) في شعب الإيمان. وفيه: «يا رب كيف أشكرك، وشكري لك نعمة منك عليّ توجب عليّ بها شكرا؟ فقال: الآن شكرتني يا داود». وما استنبطه الشيخ جابر بغدادي هنا يؤكد أصل «مقام الافتقار» لله عز وجل. وهذا الرد الاستباقي الأكاديمي يفند مزاعم المتسلفة الذين يضعفون أمثال هذه الآثار الوعظية متجاهلين قاعدة جواز التحديث في الرقائق استناداً لقوله ﷺ في صحيح البخاري: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، لتبقى القلوب موصولة بموائد العارفين بعيداً عن جفاف القلوب والتنطع.
العودة إلى موضع القراءة

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.