Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/موسوعة التوثيق العلمي/التأصيل العلمي لسياقات غزوة بدر ومقامات التوكل والانكسار

التأصيل العلمي لسياقات غزوة بدر ومقامات التوكل والانكسار

1 استشهادات موثقةحديث صحيح (2)كتاب معتمد (2)حديث متفق عليه (1)حديث حسن (1)

تفريغ الكلمة المباركة

أتوجه بالحديث إلى القلوب الشابة، وأقول: يا ولدي، ويا شباب الأمة، ما هي رسالتكم التي تحملونها في نصرة حضرة النبي ؟ لنتأمل معاً كيف استطاع طفلان غضان، هما معاذ ومعوذ، أن يلحقا بقريش وطواغيتها هزيمة نكراء يوم بدر. يروي لنا الإمام الجليل والصحابي النبيل عبد الرحمن بن عوف (ت: ٣٢ هـ) (أحد العشرة المبشرين بالجنة) وقائع ذلك المشهد المهيب، إذ يقول واصفاً حاله بينهما، وكيف أن أحدهما يجذبه من ردائه يمنة، والآخر يجذبه يسرة، متسائلين في لهفة: «يا عم، أين أبو جهل؟». فما كان منه إلا أن تعجب من سؤالهما قائلاً: «يا ولدي، وماذا تريدان من أبي جهل؟». فأجابا بيقين وحمية: «سمعنا أنه يسب رسول الله ﷺ». فيا لها من همة تسكن صدور الشباب! فلما لاح أبو جهل في الأفق، أشار إليه، فما إن أومأ بطرفه حتى انقضا عليه كانقضاض الصقور، فضرباه حتى أردياه صريعاً من على فرسه ⁽¹⁾. إن هذا الحب العظيم إنما تفجر من نبع طفولة بريئة، هيأ جلال الرحمة الإلهية فيها غيرة نقية، لأن هذا الشقي كان يسب رحمة الله المهداة للعالمين. ومن هنا، يا ولدي، قد يقدم الإنسان في عصرنا الحاضر على عمل خالص يخدم به أمة الحبيب، فيُكتب به في ديوان الصالحين، ويُحسب عندنا في مرتبة «البدرية». فذلك المعلم الذي يخلص في تلقين تلاميذه داخل جدران مدرسته، مؤدياً أمانته بصدق، لا يمكننا أبدًا أن نغفله أو ننساه ونحن نتدارس أمجاد بدر ومقامات أهلها. رمضان.. ميدان الانكسار والانتصار إن شهر رمضان المبارك هو شهر الانكسار والانتصار في آن واحد؛ فهو يشهد انتصار الإنسان على حظوظ نفسه، وانكساره وتذلله بين يدي خالقه. ومن هذا الانكسار بالذات تتنزل رحمات النصر وعوامله، مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ ⁽²⁾. لقد انتصر هؤلاء الصحب الكرام على أنفسهم الأمارة، فصارت نفوسهم في غاية ذل الخضوع لجلال الله، وبانتصارهم على شهواتهم الدنيوية، حققوا الانتصار الأكبر على أعدائهم في ميادين الوغى. سر الدعاء ومقام الدلال في العبودية وفي أوقات المحن والشدائد، إياك يا ولدي أن تغفل عن سلاح الدعاء. فالدعاء هو الحالة الروحية العالية التي ينتصر فيها المرء على التعلق بالأسباب المادية، لعلمه اليقيني الكامل بأن ما يرجوه ويطلبه إنما هو بيد الله وحده، طوع مشيئته. وعندما يختمر ذل العبودية في بحار المحبة الصادقة، فإنه يثمر مقاماً أسمى يُعرف بمقام «الدلال». ويتجلى هذا المقام في أبهى صوره حينما رفع النبي يديه الشريفتين مناجياً ربه يوم بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» ⁽³⁾. ولا يجرؤ أحد قط أن يخاطب ربه بهذا النسق العجيب إلا من بلغ ذروة الدلال التي هي في جوهرها قمة التذلل والانطراح على عتبات الألوهية. خرق العوائد الكونية بخرق العوائد النفسية لقد أراد سيدنا ومولانا رسول الله أن يُشرّف يوم النصر بتجلية مقام العبودية الخالصة، ليكون نبراساً وقدوة لكل قائد عبر الزمان، يعلمه من أين يتنزل النصر المبين. فإذا ركنا إلى الأسباب الدنيوية وحدها افتقرنا وضللنا، وإذا لجأنا إلى مسبب الأسباب ومولاها أعزنا ونصرنا. فاعلم يا ولدي أن القوم لما خافوا من الله حق الخشية، خافت منهم الأشياء طواعية، ولما أطاعوا الله بصدق، أطاعتهم الأكوان بأسرهِا. لقد خرقوا عاداتهم النفسية، فخرق الله لهم العادات الكونية؛ فكان إنزال المطر في بدر خرقاً لسنن الكون المعهودة، إذ يهطل المطر في بقعة ليغرق الأعداء، ويهطل في البقعة المقابلة ليثبت أقدام الأولياء. وكذلك تنزل الملائكة الكرام للقتال؛ فمتى حاربت الملائكة من قبل؟ وأين تدربت على فنون الفروسية والمبارزة؟ إن خرق الصحابة الأطهار لعوائدهم النفسية، وقطعهم لعلائق الدنيا، هو الذي استجلب هذا المدد، وجعل الملائكة تخرق عادتها النورية لتنزل إلى ساحة الوغى، وهذا كله ثمرة حسن التوكل على الله؛ أبدان تعمل وتجتهد، وقلوب تثق في مولاها فتتوكل. الجناية لا تضر في حضرة العناية فمن أناب إلى ربه واحتمى بحماه، ناب عنه سيده في الرمي وسدد خطاه، تجسيداً للسر القرآني الأعظم: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ⁽⁴⁾. وفي حضرة هذه العناية الإلهية الفائقة، تصير الجناية بلا ضرر، فإن العناية الإلهية التي أحاطت بأهل بدر قد رفعتهم إلى رتبة سنية لا تضر معها زلات الذنوب. ويتجلى هذا المعنى بوضوح حينما كان النبي يرتب في سرية تامة لفتح مكة، فقام أحد الصحابة، وهو حاطب بن أبي بلتعة (ت: ٣٠ هـ) (من السابقين البدريين)، وأخذ الأخبار وبلغ بها أهل مكة. فلما انكشف الأمر، هب سيدنا عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) (الفاروق الملهم) غيرةً على الدين قائلاً: «دعني أضرب عنق هذا المنافق». لكن عين الرحمة المحمدية كانت تنظر إلى ما هو أبعد، فقال له النبي : «وما يدريك يا عمر؟ لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ⁽⁵⁾. وهذا من أعظم دلال البدريين على خالقهم المنعم. أنوار بدر الممتدة في أمة الحبيب ولم تنتهِ بدر بمجرد انقضاء المعركة، بل ظلت أسرارها وأنوارها سارية في جسد الأمة. فلو كانت هذه الرتبة مقصورة على أهل بدر وانقضت، لما كررها النبي في مواطن أخرى، كما فعل يوم العسرة حين جهز سيدنا عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) (ذو النورين) جيش تبوك، فنظر إليه النبي مقراً له بفيض من الرضا والقبول وقال كلمته الخالدة: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» ⁽⁶⁾. فبدر مستمرة في كل قلب آمن، وصدق، وبذل في سبيل محبوبه الأسمى، متوشحاً بردائها الروحاني الذي لا يزول.

بيان التوثيق العلمي

1
حديث صحيح
حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) (أمير المؤمنين في الحديث) في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة بدر. متن الحديث: «عن عبد الرحمن بن عوف قال: إني لفي الصف يوم بدر، إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن. فقالا: يا عم هل تعرف أبا جهل؟. سمعنا أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا.». وهذا الاستدلال الذي ذكره الشيخ جابر بغدادي يمثل «القياس الوعظي» البديع، حيث يربط بين غيرة الغلمان في بدر وبين غيرة المحبين اليوم، وهو تأصيل متين للرد على من ينكرون محبة النبي الشديدة والغيرة على مقامه الشريف، فتلك المحبة الصادقة هي أصل الدين، والاعتراض عليها والتبديع المستمر للمحبين ما هو إلا جفاف روحي ومحاولة خبيثة لضرب السنة بالسنة وتجفيف منابع النصرة القلبية. كتاب معتمد القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية ١٢٣. وقد استنبط الشيخ جابر بغدادي من هذه الآية قاعدة رصينة في «علم السلوك» والتزكية، وهي إثبات التلازم الحتمي بين الانكسار الداخلي والانتصار الخارجي. وهذا الفهم العميق يتوافق مع ما قرره أئمة التزكية كالإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (ت: ٧٠٩ هـ) (قطب العارفين) في حكمه حول فضل ذل العبودية. والاعتراض على هذه الإشارات التربوية بحجة الحرفية السطحية هو طمس لأنوار القرآن الكريم الذي أمرنا بالتدبر، ومحاولة بائسة لفصل الشريعة عن الحقيقة. حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم (ت: ٢٦١ هـ) (الحافظ الحجة وأحد أعمدة السنة) في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب إمداد الملائكة في غزوة بدر. متن الحديث: «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض.». وما استنبطه الشيخ جابر بغدادي من إثبات «مقام الدلال» هو قمة الفهم لمراتب «مقام الإحسان»، وفيه رد قاطع أكاديمي واستباقي على أدعياء السلفية المعاصرة الذين يُنكرون مقامات الأولياء والمحبين ويعدونها من البدع، متناسين أن هذا الدلال الراقي هو ثمرة كمال الافتقار لله عز وجل، وهو عين التوحيد الخالص. كتاب معتمد القرآن الكريم، سورة الأنفال، الآية ١٧. وقد وظف الشيخ جابر بغدادي هذه الآية لترسيخ «عقيدة التوكل» وإثبات أن العناية الإلهية تخرق العوائد الكونية لمن خرق عوائد نفسه النفسية. وهذا الطرح البليغ يمثل رداً محكماً على الجفاف العقائدي لدى بعض المتنطعين الذين ينكرون الكرامات وخرق العوائد للأولياء والصالحين، فمن ثبتت له ولاية التوكل الصادق جاز في حقه خرق العوائد تكريماً ومساندة من الله، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة الأصيل الثابت بالكتاب والسنة. حديث متفق عليه أخرجه الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما. متن الحديث: «فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». إن استدلال الشيخ جابر بغدادي بهذا الحديث لتأصيل أن الجناية لا تضر مع صدق العناية الربانية هو من أعمق إشارات «التصوف السني» المعتدل، وفيه دحض علمي صارم لشبهات الخوارج والمتشددين المعاصرين الذين يكفرون بالذنب ولا يراعون سوابق الفضل والصدق لأهل المحبة، حيث أثبت النبي ﷺ سعة فضل الله التي تبتلع زلات المحبين الصادقين. حديث حسن أخرجه الإمام الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ) (إمام الحفاظ صاحب السنن) في سننه، أبواب المناقب. متن الحديث: «جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم، مرتين». وهذا يؤكد بقوة صحة استنباط الشيخ جابر بغدادي في امتداد العناية الإلهية لكل من بايع على الحب والبذل، وهو إقرار نبوي كريم يرد على كل جاحد أو مشكك يقلل من شأن محبة الصالحين والبذل المالي والروحي في سبيل رفعة شأن الدعوة المحمدية، مفنداً دعاوى المانعين لتعظيم شعائر الله في القلوب.
العودة إلى موضع القراءة

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.