بقلم: الشيخ جابر بغدادي
(غزوة بدر) رمضان شهر الانتصارات والفتوحات الروحية
(غزوة بدر) رمضان شهر الانتصارات والفتوحات الروحية
غرس المحبة في القلوب الفتية أتوجه بالحديث إلى القلوب الشابة، وأقول: يا ولدي، ويا شباب الأمة، ما هي رسالتكم التي تحملونها في نصرة حضرة النبي ﷺ؟ لنتأمل معاً كيف استطاع طفلان غضان، هما معاذ ومعوذ، أن يلحقا بقريش وطواغيتها هزيمة نكراء يوم بدر. يروي لنا الإمام الجليل والصحابي النبيل عبد الرحمن بن عوف (ت: ٣٢ هـ) (أحد العشرة المبشرين بالجنة) وقائع ذلك المشهد المهيب، إذ يقول واصفاً حاله بينهما، وكيف أن أحدهما يجذبه من ردائه يمنة، والآخر يجذبه يسرة، متسائلين في لهفة: "يا عم، أين أبو جهل؟". فما كان منه إلا أن تعجب من سؤالهما قائلاً: "يا ولدي، وماذا تريدان من أبي جهل؟". فأجابا بيقين وحمية: "سمعنا أنه يسب رسول الله ﷺ". فيا لها من همة تسكن صدور الشباب! فلما لاح أبو جهل في الأفق، أشار إليه، فما إن أومأ بطرفه حتى انقضا عليه كانقضاض الصقور، فضرباه حتى أردياه صريعاً من على فرسه ⁽¹⁾. إن هذا الحب العظيم إنما تفجر من نبع طفولة بريئة، هيأ جلال الرحمة الإلهية فيها غيرة نقية، لأن هذا الشقي كان يسب رحمة الله المهداة للعالمين. ومن هنا، يا ولدي، قد يقدم الإنسان في عصرنا الحاضر على عمل خالص يخدم به أمة الحبيب، فيُكتب به في ديوان الصالحين، ويُحسب عندنا في مرتبة "البدرية". فذلك المعلم الذي يخلص في تلقين تلاميذه داخل جدران مدرسته، مؤدياً أمانته بصدق، لا يمكننا أبدًا أن نغفله أو ننساه ونحن نتدارس أمجاد بدر ومقامات أهلها. رمضان.. ميدان الانكسار والانتصار إن شهر رمضان المبارك هو شهر الانكسار والانتصار في آن واحد؛ فهو يشهد انتصار الإنسان على حظوظ نفسه، وانكساره وتذلله بين يدي خالقه. ومن هذا الانكسار بالذات تتنزل رحمات النصر وعوامله، مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ ⁽²⁾. لقد انتصر هؤلاء الصحب الكرام على أنفسهم الأمارة، فصارت نفوسهم في غاية ذل الخضوع لجلال الله، وبانتصارهم على شهواتهم الدنيوية، حققوا الانتصار الأكبر على أعدائهم في ميادين الوغى. سر الدعاء ومقام الدلال في العبودية وفي أوقات المحن والشدائد، إياك يا ولدي أن تغفل عن سلاح الدعاء. فالدعاء هو الحالة الروحية العالية التي ينتصر فيها المرء على التعلق بالأسباب المادية، لعلمه اليقيني الكامل بأن ما يرجوه ويطلبه إنما هو بيد الله وحده، طوع مشيئته. وعندما يختمر ذل العبودية في بحار المحبة الصادقة، فإنه يثمر مقاماً أسمى يُعرف بمقام "الدلال". ويتجلى هذا المقام في أبهى صوره حينما رفع النبي ﷺ يديه الشريفتين مناجياً ربه يوم بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» ⁽³⁾. ولا يجرؤ أحد قط أن يخاطب ربه بهذا النسق العجيب إلا من بلغ ذروة الدلال التي هي في جوهرها قمة التذلل والانطراح على عتبات الألوهية. خرق العوائد الكونية بخرق العوائد النفسية لقد أراد سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ أن يُشرّف يوم النصر بتجلية مقام العبودية الخالصة، ليكون نبراساً وقدوة لكل قائد عبر الزمان، يعلمه من أين يتنزل النصر المبين. فإذا ركنا إلى الأسباب الدنيوية وحدها افتقرنا وضللنا، وإذا لجأنا إلى مسبب الأسباب ومولاها أعزنا ونصرنا. فاعلم يا ولدي أن القوم لما خافوا من الله حق الخشية، خافت منهم الأشياء طواعية، ولما أطاعوا الله بصدق، أطاعتهم الأكوان بأسرهِا. لقد خرقوا عاداتهم النفسية، فخرق الله لهم العادات الكونية؛ فكان إنزال المطر في بدر خرقاً لسنن الكون المعهودة، إذ يهطل المطر في بقعة ليغرق الأعداء، ويهطل في البقعة المقابلة ليثبت أقدام الأولياء. وكذلك تنزل الملائكة الكرام للقتال؛ فمتى حاربت الملائكة من قبل؟ وأين تدربت على فنون الفروسية والمبارزة؟ إن خرق الصحابة الأطهار لعوائدهم النفسية، وقطعهم لعلائق الدنيا، هو الذي استجلب هذا المدد، وجعل الملائكة تخرق عادتها النورية لتنزل إلى ساحة الوغى، وهذا كله ثمرة حسن التوكل على الله؛ أبدان تعمل وتجتهد، وقلوب تثق في مولاها فتتوكل. الجناية لا تضر في حضرة العناية فمن أناب إلى ربه واحتمى بحماه، ناب عنه سيده في الرمي وسدد خطاه، تجسيداً للسر القرآني الأعظم: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ⁽⁴⁾. وفي حضرة هذه العناية الإلهية الفائقة، تصير الجناية بلا ضرر، فإن العناية الإلهية التي أحاطت بأهل بدر قد رفعتهم إلى رتبة سنية لا تضر معها زلات الذنوب. ويتجلى هذا المعنى بوضوح حينما كان النبي ﷺ يرتب في سرية تامة لفتح مكة، فقام أحد الصحابة، وهو حاطب بن أبي بلتعة (ت: ٣٠ هـ) (من السابقين البدريين)، وأخذ الأخبار وبلغ بها أهل مكة. فلما انكشف الأمر، هب سيدنا عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) (الفاروق الملهم) غيرةً على الدين قائلاً: "دعني أضرب عنق هذا المنافق". لكن عين الرحمة المحمدية كانت تنظر إلى ما هو أبعد، فقال له النبي ﷺ: «وما يدريك يا عمر؟ لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ⁽⁵⁾. وهذا من أعظم دلال البدريين على خالقهم المنعم. أنوار بدر الممتدة في أمة الحبيب ولم تنتهِ بدر بمجرد انقضاء المعركة، بل ظلت أسرارها وأنوارها سارية في جسد الأمة. فلو كانت هذه الرتبة مقصورة على أهل بدر وانقضت، لما كررها النبي ﷺ في مواطن أخرى، كما فعل يوم العسرة حين جهز سيدنا عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) (ذو النورين) جيش تبوك، فنظر إليه النبي ﷺ مقراً له بفيض من الرضا والقبول وقال كلمته الخالدة: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» ⁽⁶⁾. فبدر مستمرة في كل قلب آمن، وصدق، وبذل في سبيل محبوبه الأسمى، متوشحاً بردائها الروحاني الذي لا يزول.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة التوكل وتوحيد الأفعال: قراءة في أسرار العناية الربانية يوم بدر)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الانتصارات الروحية والأخذ بالأسباب في غزوة بدر: قراءة في مقاصد الشريعة)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار الانكسار ومقامات الانتصار: قراءة سلوكية لغزوة بدر في مدرسة التصوف السني)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التأصيل العلمي لسياقات غزوة بدر ومقامات التوكل والانكسار)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (التيه بين الأسباب المادية والدعاء.. كيف تتنزل المعجزات وتُخرق العوائد للعبد؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (الخوف من السقوط.. هل تهدم زلاتي وعصياني ما بنيته من طاعات وتنتزع عني عناية الله؟)الأسئلة
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (حيرة العاجز.. كيف أنصر النبي ﷺ في زمان غابت فيه ميادين الغزوات؟)الأسئلة
