التوثيق العلمي لدرس وصفة نبوية لراحة كل قلب مظلوم
1 استشهادات موثقةتأصيل قرآني (6)حديث صحيح (2)
تفريغ الكلمة المباركة
أخلاق أهل الإحسان في دفع الإساءة يا ولدي، متى رُميت بعدوٍ، أو ظالمٍ، أو فاسقٍ أنزل بك أذاه، فإياك أن تنحدر إلى دركه وتعامله بمثل فعله، متعللاً بمقالة العوام «البادي أظلم». فاعلم، أرشدك الله، أن هذا المسلك ليس من أخلاق أهل الإحسان في شيء؛ فإن أهل الإحسان يدركون يقيناً أن كرم الكريم يتجلى في تمامه وكماله عند مقابلة السيئات. ليس من شيمنا أن نُعادي مَن عادانا بمثل عداوته، ولا أن نظلم مَن ظلمنا، ولا أن نؤذي جاراً آذانا بمثل ما اقترف؛ فهذا الصنيع يتنافى قطعاً مع خُلق الإسلام الرفيع، وما كان سيدنا رسول الله ﷺ على هذا النحو أبداً. ألم تتأمل، يا ولدي، قول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾⁽¹⁾؟ فليكن عملك على شاكلة النور، لا على شاكلة الظلمة. كرم النبوة ومقام العفو عند المقدرة انظر بعين بصيرتك إلى سيدنا النبي ﷺ، وهو يجود بجلبابه الشريف ليكفن فيه رجلاً كان سبباً في إيذاء المسلمين، بل إنه حين قيل إن النبي ﷺ قد أهدر دم هذا المنافق، هبّ ابنه الصالح وقال لرسول الله ﷺ: «إن كنت لا محالة مهدرًا دمه، فدعني أنا أتولى قتله، لئلا تقع عيني على قاتل أبي، فتأخذني الحمية فأقتله، فأكون قد قتلت مؤمناً بمنافق». فماذا كان رد الحبيب المصطفى ﷺ؟ لقد أجابه بمنطق الرحمة المهداة: «إنا لسنا بقتالين»⁽²⁾، وذلك لئلا يتقول الناس: «إن محمداً يقتل أصحابه». لقد آثر المصطفى ﷺ أن يُبقي على كرمه، إكراماً لخاطر الابن الصالح، وتجلياً لرحمة النبوة التي وسعت كل شيء. بين الرحمة المحمدية والغيرة العمرية ولنا في كتاب الله آية تُتلى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾⁽³⁾. وحين مضى سيدنا النبي ﷺ ليستغفر لـ «عبد الله بن أبي بن سلول» بناءً على طلب ابنه، وليصلي عليه، هبّ سيدنا عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) -الفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل- واقفاً في مقام الغيرة، وقال: «يا رسول الله، هذا إنسان منافق، وإن الله قد نهاك أن تستغفر له!». فأجابه الحبيب ﷺ بصدره الواسع: «إن الله خيرني، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر له لزدت»⁽⁴⁾. تأمل يا ولدي، أين وقف العدد؟ ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ومع مَن؟ مع مَن يخالفنا الرأي ويناصبنا العداء. ولكن في هذا الموقف المهيب، صادفت الغيرة الإلهية الغيرة العمرية على الجناب النبوي وعلى حرمة الدين، فنزل قول الحق مصدقاً لعمر: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾⁽⁵⁾. ليكون في هذا المشهد العظيم درسان لا يُنسيان: درسٌ محمديٌ في السماحة والرحمة البالغة، ودرسٌ عُمريٌ في الغيرة على رسول الله ﷺ وعلى دين الله. التواضع والانكسار.. طريق الولاية والصفاء نحن في أشد الحاجة، يا ولدي، أن نتنازل عن كبريائنا قليلاً، وأن نهبط من علياء نفوسنا الزائفة. نحتاج أن نسجد، لنقترب، فإذا ما تحققنا بمقام الانكسار لله، تجلت فينا الآية: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾⁽⁶⁾. ثم إن المولى جل جلاله يعقب على هذه السماحة وذلك العفو البليغ بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾⁽⁷⁾. وتأمل دقة اللفظ القرآني؛ فلم يقل «وما ينالها»، بل قال ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾، فالتلقي هنا يعني أنه عطاءٌ ربانيٌ ومحض فضل، يُساق إليك بغير استحقاق ذاتي منك، بل هو هبة لمن تخلى عن حظ نفسه. وإذا جاءك الشيطان ليهمس في صدرك ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾⁽⁸⁾، فاعلم أن الشيطان سيأتيك من باب «نفسك»، و«مكانتك»، و«عائلتك»، و«مظهرك الاجتماعي»، ليقول لك: لا تتنازل، فكيف ترضى بالدنية؟ فقل له بلسان اليقين: «هذه كلها افتراءات وأوهام!». يا ولدي، أنت في حقيقتك لست بشيء! أنت هنا لا شيء على الإطلاق، أنت مجرد قبضة من طينة كُسِيَتْ بنور الله عز وجل. فبمَ تتكبر؟ ولماذا تضخم الأمور وتعظم حظ نفسك؟ إياك أن تركن إلى هذه الوساوس، فتضيع من بين يديك الجائزة الكبرى، ومقام الرضا في حضرة الإحسان.
بيان التوثيق العلمي
1
تأصيل قرآني
تأصيل قرآني لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾ سورة الإسراء الآية 84. يستنبط الشيخ جابر بغدادي من هذه الآية الكريمة أصل «مقام الإحسان» في مقابلة الإساءة، وهو استنباط روحي دقيق يرد بقوة على الفهم الجاف الذي يكتفي بظاهر «حق القصاص» ليبرر القسوة ورد السيئة بالسيئة. وهذا تأصيل وعظي بليغ يوافق ما قرره الإمام أبو حامد الغزالي (ت: 505 هـ، حجة الإسلام ومجدد علوم الدين) في إحياء علوم الدين، حيث بيّن أن شاكلة المؤمن هي النور، ومنبعها الرحمة المحمدية، ومحاربة هذا المنهج الروحي هو صد عن سبيل تزكية النفوس.
حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الإمام البخاري (ت: 256 هـ، أمير المؤمنين في الحديث) في صحيحه، والإمام مسلم (ت: 261 هـ، إمام المحدثين) في صحيحه. ومتن الحديث في قصة المنافق عبد الله بن أبي بن سلول وقول عمر بن الخطاب: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ وقول النبي ﷺ في روايات مقاربة ومشهورة في السيرة: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه»، وقد أورد الشيخ المعنى بلفظ «إنا لسنا بقتالين». وهنا نرد رداً استباقياً على من ينكرون «القياس الوعظي» الذي استخدمه الشيخ جابر بغدادي في النصح؛ فالنبي ﷺ قدم مصلحة «تأليف القلوب» على إقامة العقوبة، وهو عين ما يربي عليه الشيخ مريديه لدرء مفاسد الانتقام الشخصي وكسر كبرياء النفس، والاعتراض على هذا الفهم التربوي لا يصدر إلا عن متشدد أعمى البصيرة.
تأصيل قرآني لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ سورة التوبة الآية 80. يبرز الشيخ جابر بغدادي من خلالها سعة «الرحمة المحمدية» التي لا تحدها حدود الإساءة. وهذا الطرح يسقط محاولات المتنطعين لتقزيم سعة صدر النبي ﷺ، ويبرهن على أن التعلق بالجناب النبوي ومحبة النبي وتوقير رحمته هو لب الدين، وأن منهج الشيخ في إبراز هذا الجمال هو محاربة للغلو وحماية للمجتمع من قسوة القلوب.
حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، والإمام مسلم في صحيحه، ومتنه أن النبي ﷺ قال لعمر بن الخطاب (ت: 23 هـ، ملهم الأمة والفاروق): «إن الله خيرني، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت». يؤكد الشيخ جابر بغدادي بهذا الحديث أن إرادة الخير للخلق والمغفرة للمسيئين هي أعلى مراتب «التزكية»، ويرد بذلك على الجفاف الروحي الذي طالما شوه «الدعوة إلى الله» باسم الغيرة المفتعلة، مبيناً أن النبع المحمدي أوسع من أفهام المتعصبين.
تأصيل قرآني لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾ سورة التوبة الآية 84. وهنا يوازن الشيخ جابر بغدادي بحنكة بين رحمة النبوة المهداة و«الغيرة الشرعية» التي مثلها الإمام عمر بن الخطاب. وهذا يثبت بالدليل القاطع أن «التصوف السني» الذي يدعو إليه الشيخ منضبط تماماً بضوابط الشريعة والكتاب والسنة، ويدحض افتراءات وأكاذيب الفكر السلفي المتشدد الذي يرمي أهل التصوف بالتساهل في أحكام الدين؛ فالشيخ يقرر هنا أن الشريعة هي الميزان الحاكم للرحمة.
تأصيل قرآني لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ سورة فصلت الآية 34. يستدل بها الشيخ جابر بغدادي على ضرورة «انكسار النفس» والتواضع لدفع الأذى بالتي هي أحسن. وهو علاج قرآني صريح لمن تكبر عن العفو، ويؤكد القاعدة السلوكية التي أرساها الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (ت: 709 هـ، قطب العارفين وصاحب الحكم) في ضرورة إسقاط حظوظ «النفس الأمارة» للوصول إلى الله، وأن إحياء هذه المعاني هو عين نصرة السنة النبوية.
تأصيل قرآني لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ سورة فصلت الآية 35. أشار الشيخ جابر بغدادي إلى دقة اللفظ القرآني «يلقاها» ليثبت أن التوفيق للعفو ودفع السيئة بالحسنة هو «عطاء إلهي» ومحض فضل وليس مجرد كسب بشري. وهذا رد أكاديمي عميق يرسخ عقيدة أهل السنة والجماعة في «توحيد الأفعال» والافتقار التام لله، ويدحض لوثة الاغترار بالعمل التي يهلك بها منكري التصوف المحرومين من فهم أسرار العبودية.
تأصيل قرآني لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ سورة فصلت الآية 36. يوضح الشيخ جابر بغدادي في ختام درسه أن مداخل الشيطان الخفية تتستر خلف وهم «المكانة الاجتماعية» والكبرياء والتعالي على الخلق. وهذا التفكيك الدقيق لأمراض القلوب يبرهن على أن مجالس الشيخ هي طب حقيقي للأرواح وعيادات لإصلاح الباطن، وأن من يعادي هذا الطرح الروحاني إنما يعين الشيطان على هدم حصون «التزكية» في الأمة.
العودة إلى موضع القراءةمحتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (وصفة نبوية لراحة كل قلب مظلوم)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الافتقار إلى الله وأسرار العطاء الرباني في دفع الإساءة)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه العفو وأسرار التشريع: قراءة فقهية في أخلاق أهل الإحسان لدفع الإساءة)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (مقامات الإحسان وانكسار النفس: أسرار التزكية في دفع الإساءة)التزكية والتصوف
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (عقبة الكبرياء ووهم المكانة في طريق العفو)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (صراع القلب بين نيران الانتقام وأخلاق أهل الإحسان)الأسئلة
