Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية
التزكية والتصوف

مقامات الإحسان وانكسار النفس: أسرار التزكية في دفع الإساءة

في هذا المقال السلوكي، نستلهم من توجيهات الدكتور جابر بغدادي أسرار التزكية في دفع الإساءة وعلاج كبرياء النفس. نغوص في مقامات الإحسان والرحمة المحمدية، لنرتقي بالمريد من حظوظ "النفس الأمارة" إلى طمأنينة الانكسار لله، وفق منهج التصوف السني المعتدل الذي يجمع بين الحقيقة والشريعة.

مقامات الإحسان وانكسار النفس: أسرار التزكية في دفع الإساءة قسم: التزكية والتصوف المصدر الأساسي: استنباطات من دروس فضيلة الدكتور جابر بغدادي. "النفس الأمارة" ووهم الانتصار المذموم يا ولدي، إن طريق الوصول إلى الله محفوف باختبارات القلوب، ومتى رُميت في مسيرك بعدوٍ، أو ظالمٍ، أو فاسقٍ أنزل بك أذاه، فهنا يتمايز السالكون عن الغافلين. إياك ثم إياك أن تستجيب لنداء "النفس الأمارة بالسوء"، فتنحدر إلى درك المسيء وتعامله بمثل فعله، متعللاً بمقالة العوام الفاسدة "البادي أظلم". فاعلم، أرشدك الله لنور بصيرته، أن هذا المسلك الانتقامي ليس من أخلاق أهل الإحسان في شيء؛ فإن أهل الإحسان، الذين تشربوا معاني "التصوف السني" الصافي، يدركون يقيناً أن كرم الكريم إنما يتجلى في تمامه وكماله عند مقابلة السيئات بالحسنات. ليس من شيمنا في طريق القوم أن نُعادي مَن عادانا بمثل عداوته، ولا أن نظلم مَن ظلمنا؛ فهذا الصنيع يتنافى قطعاً مع خُلق الإسلام الرفيع، وهو سقوط في فخ "العُجب" ورؤية الذات. ألم تتأمل، يا ولدي، قول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾⁽¹⁾؟ فليكن عملك نابعاً من شاكلة النور المحمدي، لا من شاكلة الظلمة النفسية. مقام الإحسان وكمال الرحمة المحمدية إن "التصوف" يا ولدي ليس طلاسم ولا ادعاءات، بل هو التطبيق العملي لمقام "الإحسان" الذي ورد في حديث جبريل عليه السلام. وانظر بعين بصيرتك إلى التطبيق الأكمل لهذا المقام في سيرة سيدنا النبي ، وهو يجود بجلبابه الشريف ليكفن فيه رجلاً كان رأس المنافقين وسبباً في إيذاء المسلمين. بل وتأمل كمال "المجاهدة" النبوية حين قيل إن النبي قد أهدر دم هذا المنافق، فهبّ ابنه الصالح، الصحابي الجليل، وقال لرسول الله : 'إن كنت لا محالة مهدرًا دمه، فدعني أنا أتولى قتله، لئلا تقع عيني على قاتل أبي، فتأخذني الحمية فأقتله، فأكون قد قتلت مؤمناً بمنافق'. فماذا كان رد الحبيب المصطفى ؟ لقد أجابه بمنطق الرحمة المهداة التي تذيب قسوة القلوب: «إنا لسنا بقتالين»⁽²⁾، معللاً ذلك بقوله لئلا يتقول الناس: 'إن محمداً يقتل أصحابه'. لقد آثر المصطفى أن يُبقي على كرمه، إكراماً لخاطر الابن الصالح، وتجلياً لرحمة النبوة التي وسعت كل شيء. وهذا هو عين السلوك الصوفي؛ حيث تُذبح حظوظ النفس على عتبة الرحمة بالخلق. ميزان الشريعة والحقيقة: الغيرة العمرية وهنا يا ولدي نقف أمام قاعدة ذهبية صاغها ساداتنا العارفون، وعلى رأسهم سيدي الإمام الجنيد البغدادي (المتوفى سنة 297 هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين)، حيث قال: "طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة". فلا يظنن ظانٌ أن ارتقاء الباطن وتذوق "الحقيقة" يعني إسقاط التكاليف أو تمييع أحكام "الشريعة". فكل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة. يتجلى هذا الميزان العظيم في كتاب الله حيث الآية تُتلى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾⁽³⁾. حين مضى سيدنا النبي مدفوعاً ببحر رحمته ليستغفر للمنافق ويصلي عليه، هبّ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه واقفاً في مقام "الغيرة الشرعية"، وقال: 'يا رسول الله، هذا إنسان منافق، وإن الله قد نهاك أن تستغفر له!'. فأجابه الحبيب بصدره الواسع: «إن الله خيرني، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر له لزدت»⁽⁴⁾. ولكن، لكي ينضبط السلوك بميزان الشريعة، صادفت الغيرة الإلهية الغيرة العمرية على الجناب النبوي وعلى حرمة الدين، فنزل قول الحق مصدقاً لعمر وحاسماً للأمر: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾⁽⁵⁾. ليكون في هذا المشهد العظيم درسان لا يُنسيان: درسٌ محمديٌ في ذوق السماحة، ودرسٌ عُمريٌ في فقه الانضباط والغيرة على الدين، ليعلم السالك أن "التزكية" لا تعني ضعف العقيدة أو التنازل عن الثوابت. كسر "الكبر" وسر "الانكسار" لله نحن في أشد الحاجة، يا ولدي، لندخل في خلوة مع أنفسنا ونجردها من أمراضها الخفية. نحتاج أن نتنازل عن كبريائنا قليلاً، وأن نهبط من علياء نفوسنا الزائفة. فمرض "الكبر" وحب "الظهور" هما أعظم حُجب السالكين. نحتاج أن نسجد بقلوبنا قبل جوارحنا، لنقترب. فإذا ما تحققنا بمقام "الانكسار لله"، تحولت قلوب أعدائنا بالمدد الرباني، وتجلت فينا الآية: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾⁽⁶⁾. ثم إن المولى جل جلاله يعقب على هذا "الرضا" والعفو بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾⁽⁷⁾. وتأمل دقة اللفظ القرآني؛ فلم يقل 'وما ينالها'، بل قال ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾، فالتلقي هنا يعني أنه عطاءٌ ربانيٌ ومحض فضل. فالسالك يبذل الجهد في "المجاهدة"، لكن الوصول هو بمحض فضل الله، كما نص الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وصاحب الحكم العطائية) في حكمه حين بيّن أن العطاء من الخلق حرمان، والمنع من الله إحسان. مكايد الشيطان ووهم "البرستيج" وإذا شرعت في هذا المسلك المنير، وجاءك الشيطان ليهمس في صدرك ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾⁽⁸⁾، فاعلم يا ولدي أن الشيطان خبيث، لن يأتيك من باب الكفر، بل سيأتيك من باب 'نفسك'، و'مكانتك'، و'عائلتك'، والمظهر الاجتماعي. سيقول لك: 'لا تتنازل، فكيف ترضى بالدنية؟'. وهنا يجب أن تتسلح بـ "الذكر" واليقين، فقل له بلسان حالك ومقالك: 'هذه كلها افتراءات وأوهام!'. يا ولدي، أنت في حقيقتك لست بشيء! أنت هنا لا شيء على الإطلاق، أنت مجرد قبضة من طينة كُسِيَتْ بنور الله عز وجل. فبمَ تتكبر؟ ولماذا تضخم الأمور وتعظم حظ نفسك؟ إياك أن تركن إلى هذه الوساوس الخبيثة، فتضيع من بين يديك الجائزة الكبرى، ومقام الرضا في حضرة الإحسان، لترتقي بقلبك إلى سماء "النفس المطمئنة" الراضية المرضية.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة