العام الجديد واسم الله الحي | تحقيق وتأصيل تراثي لدرس الشيخ جابر بغدادي
تفريغ الكلمة المباركة
هجرةُ الأرواحِ..من أطلالِ الماضي إلى إشراقةِ الحاضر ما المعنى المكنونُ يا ولدي في انقضاءِ عامٍ وولادةِ آخر؟ وما سرُّ هذا العبورِ ونحنُ نستهلُّ بهِ حياةً جديدةً تتنفسُ بمعنًى مبتكر؟ إنها في حقيقتها هجرةٌ روحيةٌ كبرى؛ نهاجرُ فيها من أطلالِ ماضٍ تولَّى، إلى رحابِ حاضرٍ يتجلَّى.فتأدَّبوا يا ولدي مع سرِّ اسمِ اللهِ «الحيِّ»؛ فإنَّ مولاكَ -جلَّ جلاله- قد منحكَ بهذا الاسمِ الشريفِ فرصةً جديدةً للحياةِ في غدِك.وهنا قد يلتفتُ الغافلُ متسائلاً في دهشةٍ: ما حقيقةُ هذه المنحة؟ ولماذا يطلبُ المفرّطُ الرجعةَ؟ فيأتيهِ البيانُ من مشهدِ أولئك الذين ضيَّعوا العمرَ، فإذا عاينوا الحقيقةَ صرخوا بلسانِ الافتقارِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ (سورة المؤمنون)⁽¹⁾.
يتمنَّى أحدهم لو عادَ ليستشرفَ حياةَ اسمِ اللهِ «الحيِّ»، وليحيا في معيَّتهِ متداركاً ما فات.
فتأتي الحقيقةُ الإلهيةُ لتقطعَ هذا التمنِّي العقيمَ بقولهِ الحقِّ: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ (سورة المؤمنون)⁽²⁾؛ إذ لسانُ القدرِ يقولُ له: لقد اختبرناكَ في دارِ المهلة، فما منحناكَ فرصةً واحدةً، بل عشتَ ستينَ سنةً، غيرَ أنَّكَ بأفعالِكَ حوَّلتَ سنيكَ البسيطةَ إلى كبيسةٍ مثقلةٍ بالأوزار، ثم انقضى أجلكَ وأنتَ في ظاهركَ حيٌّ؛ فقد ماتَ قلبك، وماتَ لسانك عن ذكرهِ، وظللتَ تموتُ في المعنى لحظةً وراءَ الثانية، حتى غدوتَ -ويا للأسفِ- قبراً يعيشُ في قبر! فضاءُ المشاهدةِ وموازينُ السعادةِ الحقيقية ولكي تدركَ يا ولدي الفرقانَ بينَ حياةِ الأرواحِ وموتِ الأشباح، تأمَّلْ قولَ الصادقِ المصدوقِ ﷺ في الميزانِ النبويِّ الشريف: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» (صحيح البخاري)⁽³⁾.
وإذا رمتَ أن تعرفَ ما هو الذكرُ على الحقيقة؛ فهو كما عرَّفهُ العارفونَ، وفي طليعتهم الإمامُ أبو القاسمِ القشيريُّ (ت: ٤٦٥ هـ) (زينُ الإسلامِ وركنُ الطريقةِ المعتدلة)⁽⁴⁾ بأنهُ: «الخروجُ من ميادينِ الغفلةِ إلى فضاءِ المشاهدة».
وعليهِ يا ولدي، فتأدَّبوا مع نعمةِ الحياة؛ فإنَّ هذه الحياةَ التي تسري في عروقكم إنما هي منحةٌ فائضةٌ من تجلِّي اسمِ اللهِ «الحيِّ».
انظرْ إلى موازينِ السعادةِ كيفَ أرساها الحبيبُ ﷺ بقوله: «مَنْ بَاتَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي بَدَنِهِ»، وتأمَّلْ معي يا ولدي في سرِّ هذه المعافاة؛ فأنتَ تمسي وتصبحُ والحمدُ للهِ في عافيةٍ، لا تحتاجُ إلى أجهزةٍ تضبطُ لكَ سكراً أو ضغطاً، بل وحتى لو ابتُليتَ بشيءٍ من ذلك، فأنتَ برغمِهِ معافىً في بدنك؛ لأنَّ الجسدَ يؤدِّي وظيفتهُ ولا يخطئُ في تسبيحهِ لبارئه.
ثم يكملُ النبويُّ الشريفُ الميزانَ قائلاً: «مَالِكًا قُوتَ يَوْمِهِ»، فلم يقلْ ﷺ: «من ادَّخرَ لعامِهِ المقبل»، فهل وردَ مثلُ هذا في الشرع؟ أبداً! ثم تأتي البشارةُ المحمديةُ الجامعة: «فَقَدْ حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» (سنن الترمذي)⁽⁵⁾.
سكينُ التفكيرِ في الغدِ..وأسرارُ التجلّيات باللهِ عليكَ يا ولدي، استفقْ من سكرتِك؛ فأنتَ لستَ مسؤولاً عن تدبيرِ غدا، فإنَّ الذي أحياكَ اليومَ هو القائمُ على رزقِكَ في غدِك، فلا تقتلوا أنفسكم بضيقِ اليقينِ، ووهنِ الدين، فإنَّ أخطرَ ما يبتلى بهِ المرءُ أن يذبحَ طمأنينتهُ بسكينِ التفكيرِ القلقِ في الغد، مصداقاً لما قرَّرهُ الإمامُ ابنُ عطاءِ اللهِ السكندريُّ (ت: ٧٠٩ هـ) (ترجمانُ العارفين)⁽⁶⁾! إنَّ هذه الأنفاسَ التي تتردَّدُ في صدرِك، ما هي إلا منحٌ ربانيةٌ تتجلى فيها آثارُ اسمِ اللهِ «الحيِّ»، فإذا أويتَ إلى فراشِكَ وغططتَ في نومِك، كانَ ذلك تجلّياً لاسمِ اللهِ «المميتِ»، فإذا هببتَ مستيقظاً، عادَ إليكَ تجلِّي اسمِ اللهِ «الحيِّ»، وما بينَ النومِ والاستيقاظِ يسري فيكَ تجلِّي اسمِ اللهِ «القيُّومِ»؛ لأنهُ -سبحانهُ- يشغِّلُ أجهزةَ جسدِكَ وأنتَ نائمٌ غارقٌ في سباتِك، مصداقاً لقولهِ تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (سورة الزمر)⁽⁷⁾.
فيا ولدي، حريٌّ بنا أن نقرأَ الحياةَ قراءةَ وعيٍ؛ فإنَّ كلَّ ما يجري عليكَ في أطوارِك، من يقظةٍ ونومٍ، وروحةٍ وغدوةٍ، إنما هي منحٌ عظيمةٌ، أدارها الخالقُ -جلَّ وعلا- على جوارحكَ الترابيةِ بمنحٍ علويةٍ روحية.
يقظةُ الأنفاسِ وسرُّ الإمهالِ الإلهي فيا عجباً يا ولدي! كيفَ تتمكَّنُ fill هذه الغفلةُ عن اللهِ من قلوبنا؟ إنَّ الإنسانَ الصادقَ يتأدَّبُ مع حقيقةِ اسمِ اللهِ «الحيِّ»، ويعيشُ بهِ قوياً، ويحيا في ظلالهِ لدرجةِ أن يرى أثرَ ذلكَ النورِ سارياً على جسدهِ قبلَ أن يراهُ في روحه.
فاعلمْ يقيناً يا ولدي، أنَّ كلَّ يومٍ يعيشُهُ الإنسانُ، ما هو إلا فرصةٌ جديدةٌ ممنوحةٌ من تجلياتِ اسمِ اللهِ «الحيِّ»، بل إنَّ كلَّ ساعةٍ تُعطاها في حياتِك، وكلَّ نَفَسٍ يتردَّدُ بينَ شهيقٍ وزفير، إنما هي تجلياتٌ لاسمِ اللهِ لكي تعيش.
وإنَّ اللهَ -سبحانهُ وتعالى- لا يردُّ مسألةً أبداً، لكنْ لسابقِ علمهِ المحيطِ بأنَّهُ قد أعطانا هذه الفرصةَ مراتٍ لا تعدُّ ولا تحصى، يظلُّ يوالي علينا المدد؛ لتظلَّ هذه الأنفاسُ في حقيقتها وثيقتها، أثراً من آثارِ منحةِ تجلِّي اسمِ اللهِ «الحيِّ».
بيان التوثيق العلمي
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (العام الجديد واسم الله الحي | تأملات روحانية في هجرة الأرواح وفضاء المشاهدة)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة التوحيد في اسم الله الحي | أسرار الأجل والرزق والنجاة من وهم التدبير)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه القلوب في اسم الله الحي | أحكام الكسب وتدبير الرزق ومشروعية الذكر)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أدبُ السلوكِ في اسمِ اللهِ الحيِّ | أسرارُ اليقينِ ومداواةُ القلوبِ من سكينِ التفكيرِ في الغد)التزكية والتصوف
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (وحشةُ انقضاءِ العمرِ وموتِ القلب | كيفَ أُحيي روحي وأخرجُ من سجنِ الغفلةِ قبلَ فواتِ الأوان؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (سكينُ التفكيرِ في الغدِ ووهنُ اليقين | كيفَ أتخلصُ من رعبِ المستقبلِ وتدبيرِ الرزقِ في ظلِّ الأزمات؟)الأسئلة
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (غفلةُ الحواسِّ عن شهودِ النعم | كيفَ أقرأُ أثرَ أسماءِ اللهِ الحسنى في حركاتِ جسدي ونومي ويقظتي؟)الأسئلة
