السؤال
وحشةُ انقضاءِ العمرِ وموتِ القلب | كيفَ أُحيي روحي وأخرجُ من سجنِ الغفلةِ قبلَ فواتِ الأوان؟
أنا رجلٌ في العقدِ الرابعِ من عمري، تمرُّ عليَّ الأعوامُ وتنقضي السنون، وفي كلِّ مطلعِ عامٍ جديدٍ تنتابني حالةٌ من الرعبِ والوحشة؛ أنظرُ إلى ما مضى فأجدهُ خواءً، وأنظرُ إلى باطني فأشعرُ أنَّ قلبي قد ماتَ عن الخشوع، ولساني قد جفَّ عن الذكر.
أصلّي وأصومُ كعادةٍ آلية، لكنني من الداخلِ أشعرُ أنني 'جثةٌ تتحرك'، وأخافُ أن يأتيني الموتُ وأنا على هذهِ الحالِ فأصرخَ طالباً الرجوعَ فلا يُستجابُ لي.كيفَ أُحيي هذا الموات؟ وكيفَ أُهاجرُ من ماضيَّ المظلمِ إلى حياةٍ حقيقيةٍ مع الله؟
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن ما تشعرُ بهِ من وحشةٍ وخوفٍ هو في حقيقتهِ 'علامةُ حياةٍ خفيةٍ' في باطنك؛ إذ لو كانَ قلبكَ ميتاً بالكليةِ لما توبَّخَ ولا تألَّمَ لغيابِ النور.
ولكنكَ الآنَ تقفُ على عتبةِ اليقظة، ودواؤكَ الأوحدُ يا ولدي يكمنُ في 'تجديدِ العهدِ مع اسمِ اللهِ الحيِّ'، واستثمارِ أنفاسِكَ الحاضرةِ بالذكرِ الحقيقيّ.
لا تضيّعْ وقتكَ في البكاءِ العقيمِ على أطلالِ ماضٍ تولَّى؛ فإنَّ لسانَ القدرِ يقولُ لمن يطلبُ العودةَ في غيرِ أوانها: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ (سورة المؤمنون، الآية ١٠٠).
لقد أعطى اللهُ الإنسانَ في مطلعِ هذا العامِ فرصةً جديدةً، ومنحةً ساريةً من آثارِ اسمهِ 'الحيِّ'؛ لكي يهاجرَ بروحهِ من أطلالِ الماضي إلى إشراقةِ الحاضر.
ولكي تخرجَ يا ولدي من حالةِ 'القبرِ الذي يَمشي في قبر'، عليكَ بتعاطي الترياقِ المحمديِّ الصارمِ الذي وضعهُ لنا الحبيبُ ﷺ بقوله: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» (أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٦٤٠٧).
وإذا رمتَ أن تعرفَ كيفَ يُحيي الذكرُ مواتَ قلبك، فخذْ بتعريفِ العارفين، وفي طليعتهم الإمامُ أبو القاسمِ القشيريُّ (المتوفى سنة ٤٦٥ هـ، ركنُ الطريقةِ المعتدلةِ وزينُ الإسلام) حينَ قال: 'الذكرُ هو الخروجُ من ميادينِ الغفلةِ إلى فضاءِ المشاهدة'.
إنَّ مشكلتَكَ يا ولدي أنكَ سجين 'ميدانِ الغفلة'؛ تنظرُ إلى السنينَ وهي تُحسبُ عليكَ بالأرقام، فحوَّلتَ سنيَّ عمركَ البسيطةَ إلى كبيسةٍ بالهمِّ والركود.
اخرجْ الآنَ بلسانِكَ وقلبِكَ إلى 'فضاءِ المشاهدة'؛ انظرْ إلى كلِّ نَفَسٍ يخرجُ من صدرِكَ على أنهُ 'رسالةُ إبقاءٍ' من الحيِّ القيُّومِ يقولُ لكَ فيها: 'عبدي، لا زلتُ أُريدكَ، ولا زلتُ أفتحُ لكَ بابي'.
اذكرْ ربَّكَ ذكراً يجمعُ بينَ حضورِ العقلِ وخشوعِ القلب، ورافقْ الذاكرينَ في مجالسهم؛ فإنَّ الذكرَ يبعثُ في الجسدِ الميتِ حرارةَ العبودية، ويحوّلكَ من مجردِ كائنٍ يتنفسُ الهواءَ، إلى عبدٍ يتنفسُ أنوارَ القرب، فتصبحَ حيّاً باللهِ، باقياً في معيَّته.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (العام الجديد واسم الله الحي | تأملات روحانية في هجرة الأرواح وفضاء المشاهدة)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة التوحيد في اسم الله الحي | أسرار الأجل والرزق والنجاة من وهم التدبير)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه القلوب في اسم الله الحي | أحكام الكسب وتدبير الرزق ومشروعية الذكر)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أدبُ السلوكِ في اسمِ اللهِ الحيِّ | أسرارُ اليقينِ ومداواةُ القلوبِ من سكينِ التفكيرِ في الغد)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (العام الجديد واسم الله الحي | تحقيق وتأصيل تراثي لدرس الشيخ جابر بغدادي)التوثيق العلمي
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (سكينُ التفكيرِ في الغدِ ووهنُ اليقين | كيفَ أتخلصُ من رعبِ المستقبلِ وتدبيرِ الرزقِ في ظلِّ الأزمات؟)الأسئلة
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (غفلةُ الحواسِّ عن شهودِ النعم | كيفَ أقرأُ أثرَ أسماءِ اللهِ الحسنى في حركاتِ جسدي ونومي ويقظتي؟)الأسئلة
