Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/إشارات من القرآن/أسرار الاكتفاء وعلاج داء التعلق بالخلق في قوله تعالى أليس الله بكاف عبده
سورة الزُّمَر - الآية ٣٦التزكية

أسرار الاكتفاء وعلاج داء التعلق بالخلق في قوله تعالى أليس الله بكاف عبده

هذه إشارة مستفادة من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
سورة الزُّمَر، الآية ٣٦
أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦

أسرار الاكتفاء وعلاج داء التعلق بالخلق في قوله تعالى أليس الله بكاف عبده

سياق الإشارة

جاء هذا الاستشهاد في سياق تصحيح الفهم القاصر للعوام الذين يقصرون الآية على دفع السحر والحسد، حيث ارتقى بها الشيخ لتكون علاجاً قلبياً لداء التعلق بالناس والتذلل لهم، ومحذراً من داء العُجب المبطن بوهم كثرة الحاسدين.

نص الإشارة

قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مصححاً لفهم قاصر ساد بين عوام الناس، ومؤسساً لمعنى جليل من معاني التوحيد الخالص: يا ولدي، إن من أعظم أمراض القلوب أن يقف السالك عند ظواهر النصوص دون الغوص في بحار حقائقها.
لقد اعتاد المحجوبون أن يتلقفوا قوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ليجعلوها مجرد حرز يدفعون به شر جار سوء، أو رقية يبطلون بها مكر ساحر، أو درعاً يقيهم عين امرأة حاسدة.
ولا ريب في بركة القرآن وفضله في الحفظ، ولكن الحقيقة التي يقررها أئمة التصوف السني المعتمد؛ كالإمام أبي حامد الغزالي (المتوفى سنة 505 هـ، حجة الإسلام ومجدد علوم الدين)، هي أن هذه الآية جاءت لتكون سيفاً يقطع دابر التعلق بغير الله في مقام التوكل.
إنها الدواء الناجع الذي يداوي قلبك متى ما اعتراه داء الالتفات إلى الأغيار.
فإذا ما نزلت بك نازلة، ووسوس لك عقلك المادي ودفعك قائلاً: امضِ إلى فلان من الناس وتذلل له ليرفدك ببعض دراهم تقتات بها وتصرف منها في حوائجك؛ فهنا يجب أن تقبض على جمر يقينك، وأن تمسك بزمام قلبك وتردد عليه بصرامة العارف: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ فالمؤمن الحق يعلم أن إراقة ماء الوجه لغير الله مذلة، وأن التعلق بالسبب شرك خفي، مصداقاً لقول الحبيب : «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل» (أخرجه الإمام أبو داود والترمذي في سننهما).
يا ولدي، دع جوارحك الساعية الممتثلة لشرع الله تنطق طوعاً بكلمة "بلى"، ودع أسرارك الباطنة تفيض بالتسليم التام قائلة: "بلى".
اجعل سرك الدفين المستتر في سويداء قلبك يناجي خالقه ويقول: نعم يا رب، كفاية أنت علي، ولا أبغي بك بدلاً.
ثم يرتقي بنا الشيخ إلى مقام أسمى في فقه السلوك، مبيناً أن حقيقة العبودية متى تحققت في القلب، أورثت صاحبها فهماً بأن المحبة في جوهرها هي "وفاء واكتفاء".
وكما قال ساداتنا العارفون "جُدْ بما منك إلينا، لنجود بما منا عليك".
أي أوفِ بحق العبودية والتكاليف التي طُلبت منك، ليُفاض عليك من بحار الربوبية والكفاية ما وُعدت به.ثم يوجه الشيخ ضربة تربوية قاصمة لداء "العُجب" المتستر خلف وهم الحسد، محذراً من تضخيم الذات، فيقول بصوت المربي الذي يوقظ الغافلين: أويحسب أحدكم أن الكون قد خلا من البشر إلا منه؟ وهل تفرغت أنظار العالم بأسره لتحسده وتراقبه؟ إلام هذا التعظيم الزائف للنفس والادعاء الكاذب؟ ثم يسأل مستنكراً ليرد السالك إلى مقام محاسبة النفس ورؤية التقصير: على أي شيء يحسدوننا؟ أنُحسد على تراكم الذنوب وكثرة العيوب؟! فالسالك الصادق يشتغل برؤية عيوبه ومحاسبة نفسه، ويكتفي بالله كافياً ووكيلاً، بدلاً من الانشغال بعداوات موهومة مع الخلق.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الكفاية الإلهية ليست مجرد درع لدفع الأذى الظاهر، بل هي مقام قلبي عميق يحرر العبد من رق الأغيار، ويشفيه من داء التعلق بالخلق والتذلل لهم، ويطهر نفسه من عُجب التمركز حول الذات، ليفوز بصدق العبودية والاكتفاء المطلق برب العالمين.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا