كهف العناية ومطار الأرواح للفرار من مضلات الزمان
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦
كهف العناية ومطار الأرواح للفرار من مضلات الزمان
سياق الإشارة
جاء هذا الاستشهاد القرآني في سياق توجيه المريدين إلى ضرورة هجران صحبة السوء وبيئات المنكرات، مبيناً أن الابتعاد خطوة واحدة عن الغفلة هو بوابة الدخول في حفظ الله وعنايته الخالصة.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية موجهاً قلوب السالكين نحو أبواب القرب: يا ولدي، كن على قدم أهل الكهف، أولئك الفتية الذين تلفتوا يَمْنَةً ويَسْرَةً، فوجدوا الناس جميعاً قد ركنوا إلى عوائد دنيوية لا تنفع عند ربنا ولا تزن في ميزان الحق شيئاً، فما كان منهم إلا أن أقبلوا بصدق إلى الله. إن النداء الإلهي ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾ ليس مجرد إرشاد لمخبأ مادي لحفظ الأبدان، بل معناه الروحي العميق: أقبلوا عليَّ. يخبرك الحق جل جلاله: اقترب من رحابنا خطوة؛ خطوة واحدة تسير بها إلينا متجرداً من حولك وقوتك، لتسير بعد ذلك بنا في حضرة القدس محمولاً على كفوف العناية. حين تُبتلى يا ولدي بصحبة غافلة تدلك على دروب الشر، وتجد نفسك محاصراً في بيئة طغت عليها المنكرات والمخالفات، فالنجاة هنا تكمن في أن تبتعد خطوة. إن معنى "الكهف" الحقيقي هو أن تبتعد عن السوى بيقين، ليقول لك لسان العناية: سر إلينا خطوة، لنسير بك إلى المنتهى. وهذا المعنى يتوافق تماماً مع ما أخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) (أمير المؤمنين في الحديث) في صحيحه عن رب العزة جل جلاله: «وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». وكأن لسان الحال الرباني ينادي أرواحنا: تعالوا إلى رحاب الكهف لآخذكم إلى زمن تعرفون كيف تحيون فيه، تعالوا لنجعل من الكهف محطة، بل بمثابة "مطار" آخذكم منه لأسير بكم إلينا في حفظ وسير يأويكم، سير تتوقف فيه عجلة الزمن فلا تغيركم حوادثه العاصفة ولا تطرأ عليكم علل الجسد وضعفه، فأنتم في كنفي، وفي حفظي، وفي حصن حمايتي. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن من هجر بيئة المعصية وخطا بقلبه خطوة صادقة نحو حضرة ربه، فتح الله له أبواب رحمته، وجعل من عزلته حصناً ربانياً يقيه من فتن الزمان وعلل الأبدان.
