سر المجيء القلبي: حين تسبق الأشواق خُطى الأقدام
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤
سر المجيء القلبي: حين تسبق الأشواق خُطى الأقدام
سياق الإشارة
ساق الشيخ هذه الآية الكريمة في سياق مواساة القلوب المحبة التي أقعدتها قلة ذات اليد عن السفر المادي، ليؤسس لقاعدة صوفية جليلة، وهي أن النية الصادقة والهمَّ بالزيارة ينزلان منزلة المجيء الفعلي والوصول التام.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مواسياً كل قلبٍ تشتعل فيه لواعج الشوق ومؤسساً لمعنى جليل في فقه القلوب: يا ولدي، قد يقعد بك الحال، وتضيق بك ذات اليد، فتقف منكسراً تناجي ربك وتقول: ""نفسي أزور النبي وليس عندي مال""، فيأتيك الجواب الإلهي والمدد النبوي بأن الأمر أيسر مما تتخيل. فبمجرد أن تعقد العزم، وتهمّ بزيارة الحبيب المصطفى، فإنك في تلك اللحظة ماثلٌ بين يديه. ألم تتأمل قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾؟ إن لفظ ""جاءوك"" هنا لا يقتصر على المجيء البدني عبر قطع المسافات، بل يتسع في الإشارة الصوفية ليشمل المجيء القلبي، فمن همَّ أن يأتي فقد أتى، ومن صدق في شوقه وصل. وسبيل ذلك يا ولدي أن تعلم أن الحبيب الذي تعلقت به روحك، حضوره في قلبك أسرع من قدح الزناد؛ لأن المدينة المنورة ليست مجرد بقعة من الأرض، بل هي قبلة الزيارة ومهوى الأرواح. فما إن تتشوق إليه بصدق، إلا وتجلت لك أنواره البهية. وقد صدق من قال من العارفين، كالإمام ابن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وصاحب الحكم الأبر)، حين أشار إلى أن طي المسافات إنما يكون بالقلوب لا بالأقدام، فالأرواح تطير بجناح الشوق لتعانق أنوار النبوة قبل أن تتحرك الجوارح. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن المجيء إلى حضرة المصطفى ليس مرهوناً بالقدرة المادية البحتة، بل هو عطاءٌ يفيض على القلوب المشتاقة، فبمجرد الهمّ الصادق بالزيارة تنطوي المسافات، وتتجلى أنوار القبول، ليتحقق الوصول بالروح حين تعجز الجوارح.
