بقلم: الشيخ جابر بغدادي
سبعة مفاتيح لمن أراد الفتوح في قيام الليل | د. جابر بغدادي
سبعة مفاتيح لمن أراد الفتوح في قيام الليل | د. جابر بغدادي
ينبغي للمؤمن، يا ولدي، إذا ما أسدل الليل ستائره، أن يتذكر ركعتين يحيي بهما قلبه، ولكن قبل أن يشرع فيهما، عليه أن يُهيئ روحه؛ فيُكَبِّرَ الله عشراً، ويحمده عشراً، ويُسَبِّحَ الله وبحمده عشراً، ويُسَبِّحَ الملك القدوس عشراً، ثم يستغفر عشراً، ويُهَلِّلَ عشراً، ثم يختم ذلك بقوله: «اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا ومن ضيق يوم القيامة». وهكذا تخبرنا السيدة الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنها كانت سنة الحبيب المصطفى قبل أن يفتتح الصلاة. ⁽¹⁾
فما هذا يا ولدي إلا «مفتاح قيام الليل»، بل هي سبعة مفاتيح من نور لقيام الليل. إياك أن تثب إلى الصلاة بغتةً دون تهيئة، فكما لا تجوز الصلاة بغير وضوء للجسد، لا يصح قيام الليل بالوثوب إليه وأنت مثقل بخمولك، وكسلك، وما زالت آثار عُقَدِ الشياطين تكبل جسدك ونفسك وروحك. لا يا ولدي، قُم أولاً وتَجَهَّز، استعد لتستمد، فإنك توشك أن تقف في حضرة الإطلاق، بين يدي الله جل جلاله. ⁽²⁾
ففي تلك الساعة المباركة، يتجلى المليك جل جلاله لأهل محبته، ويتنزل لهم تنزلاً يليق بكماله وجماله، ثم ينادي نداءً لا تسمعه إلا قلوب العاشقين، فيقول: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟ هل من ذي حاجة فأقضي له حاجته؟». فيا لسعدهم، ويا لهنائهم وهم يأنسون بهذا السماع الرباني من الله سبحانه وتعالى، وتُرفع لهم عن القلوب براقع الانتفاع. فوالله ما أُعطوا شيئاً ألذ، ولا أكمل، ولا أعظم من شرف المؤانسة والتملق بين يدي الله عز وجل، والإصغاء بقلوبهم وأرواحهم إلى لذيذ المواصلة من الله سبحانه وتعالى، الله تجلى لهم بهذا النور. ونداء الحق، يا ولدي، مبذول للكل، ينادي سبحانه على الخلائق أجمعين ولا يسمعه غيرهم، الله يتنزل للكل. لكن أولئك هم أهل الحظوة في هذا الهزيع من الليل، هم أهل الحظ بالله سبحانه وتعالى، هم أهل الحضرة، هم أهل الحظوة، هم من نالوا الإجابة، هم من نالوا الإغاثة، هم أهل المؤانسة، هم أهل المجالسة، هم المؤهلون للتجلي، هم من نالوا الفوز بنعيم تنزل الله سبحانه وتعالى، وذلك يتكرر في كل ليلة. وما أخذ أحد قط شرفاً يضاهي ما أخذوه من الله سبحانه وتعالى. ⁽³⁾
وإن الشتاء، يا ولدي، لفصل جميل، بل هو فصل من فصول الجنة، وأصل من أصول الجمال. أتتساءل لماذا يراه العارفون كذلك رغم برده القارس؟ لأنه يحمل لهم منحة ربانية؛ فليله يطول للقيام، ونهاره يقصر للصيام. إن أيام الشتاء لحلوة وجميلة، ففي نهاره اليوم قصير، فيحصل للإنسان أن يقدر على الصيام دون أن يُجهَد، إذ لا يوجد حر يلفحه. وبالليل، الليل طويل، ويحلو فيه الكلام مع الله. ولله در سيدنا الفضيل بن عياض حين عبر عن هذا الشوق المكنون قائلاً: (إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله، فأصبح وما قضيت نهمي). ⁽⁴⁾
وهل تدرك، يا ولدي، لماذا يُعد ختام الصلاة أمراً بالغ الأهمية؟ لا ينبغي للإنسان بعد أن يسلم من صلاته قائلاً: (السلام عليكم، السلام عليكم) أن يثب مهرولاً ويجري مسرعاً هكذا. من المهم جداً جداً أن تختم صلاتك بسكينة. فقد أخبرنا سيدنا النبي ﷺ قائلاً: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت». إذن، أنت تُبشَّر بالجنة عقب كل صلاة تقرأ فيها آية الكرسي. ⁽⁵⁾
و يخبرنا الصادق المصدوق بقوله: «من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر». هذا يُقال بعد كل صلاة. ولكن، لماذا يريد منا ربنا جل وعلا أن نعقب صلاتنا بمثل هذا العمل؟ ⁽⁶⁾
السر يا ولدي في المنحة المستمدة من الله سبحانه وتعالى، في إدراك العبد أن كلمة الله أكبر تعني أنه سبحانه أكبر من فهمي ومن وهمي، وأن كلمة الحمد لله هي شكر واعتراف بفضله أن أذن لأبناء أمثالنا من الضعفاء أن يقفوا بين يديه، فذلك والله من أعظم ما وسع الله به عليك. ألم تسمع سيدنا النبي ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا»؟ وسواء كان هذا الضيق ظاهراً كضيق الرزق وكذا، فإنه يُسبب ضيقاً في النفس يحجب الإنسان. فإن الهم، يا ولدي، جند من أعظم جنود الله، الهم يجعل الإنسان لا يعرف كيف يصلي، ولا يبقى متفرغاً لطاعة، ولا فاضياً لحضور مجلس، ولا لدرس علم. إنما طلب النبي ﷺ قبل شروعه في قيام الليل قائلاً: «اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة». ⁽⁷⁾
ولعل هذا ما يفسر لنا مقولة سيدنا الحسن البصري، حين سألوه: (ما بال أهل قيام الليل؟) فأجاب بكلام جميل يقطر نوراً، قال: (لأنهم خلوا بالرحمن ليلاً فألبسهم وأورثهم نوراً من نوره على وجوههم). فمن أين استمدت جماعة أهل الليل هذا النور اللامع؟ لقد جاؤوا بالنور من توق الحق إليهم، من توجه الله عز وجل إليهم بنظره، لأن هذه ساعة من ساعات صفاء العبد مع الله، لقد فرشوا وجوههم إليه، ونصبوا أقدامهم لديه، يتكلمون بكلامه ويتنعمون بإنعامه. ⁽⁸⁾
🔗محتوى متعلق بهذا الفيديو
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (سبعة مفاتيح لمن أراد الفتوح في قيام الليل)التوثيق العلمي
