التأصيل العلمي والإشاري لمقامات الاكتفاء بالله
تفريغ الكلمة المباركة
مقام الاكتفاء والتحرر من قيود الخلق يتساءل الكثيرون عن السر المكنون في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾⁽¹⁾، فإلى أي وجهٍ يا ولدي نَصرفُ هذا النداء الرباني؟ هل نقف به عند الظاهر المألوف الذي يتداوله الناس، من اتخاذه وِرداً لدفع أذى الحاسدين، أو حرزاً لرد كيد الساحرين؟ كلا يا ولدي، فالأمر أجلّ، والسر أعظم.
إن حقيقة هذه الآية أن تسمو بروحك وتجرد قصدك، فلا تطلب غير مولاك، ولا ترجو من دونه أحداً، ولا تُعلق نياط قلبك بمخلوق سواه.
إنها الترياق الشافي الذي يداوي القلب متى ما اعتراه داء التعلق بالناس.
فإذا ما مالت بك الأهواء، فاقبض على جمر يقينك، وخاطب قلبك بلسان الحال والمقال، وردده على مسامع روحك: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ وإذا ما داهَمك العقل بهواجسه، وهمس في روعك أن تقصد فلاناً من الناس ليرفدك ببعض دراهم تقتات بها وتصرف منها، فاقطع عليه وساوسه، واردده عن غيّه بشموخ العارفين قائلاً: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ إجابة الجوارح ونداء الأسرار دع جوارحك تنطق بالخضوع والإقرار قائلة: «بلى»⁽²⁾، ودع أسرارك الباطنة تفيض بالتسليم قائلة: «بلى».
اجعل سرك الدفين يناجي خالقه من أعماق الروح، صادحاً بالافتقار التام ليقول: «بلى يا رب، نعم، كفايةٌ أنت عليّ، ولا أبغي بك بدلاً».
حقيقة العبودية والوفاء بيد أن أسرار الآية لا تقف عند حدود الطلب والدفع فحسب؛ بل متى ما صرت عبداً حقيقياً لله، أدركت يقيناً أن المحبة في جوهرها هي «وفاءٌ واكتفاء».
وكما يُروى في معارج القوم وأذواقهم (أئمة التربية والتزكية من السلف الصالح ت: القرون الخيرية): «جُدْ بما منك إلينا، لنجود بما منا عليك»⁽³⁾؛ فمتى وفيت بحق العبودية الذي طُلب منك، أفاض عليك من بحار الربوبية التي وعدك بها.
تصحيح أوهام العوام في الحسد واليقين فما هو إذن المعنى العميق لقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ لقد ضاق فهم العوام عن سعتها، فقصروها على الاستعاذة من شر جارِ سوءٍ يتربص، أو ساحرٍ يمكر، أو امرأةٍ ظالمةٍ تنفث سموم الحسد.
ويا عجباً لحال هذا الإنسان! أتحسب يا ولدي أن الكون قد خلا من الخلق إلا منك؟ وأن أنظار العالم بأسره قد تفرغت لحسدك؟ أتشعر في نفسك بتعظيم لِشأنك، وتضخيم لِقصتك الموهومة؟ ثم دعني أسألك مستنكراً وبصوت يوقظ الغافلين: على أي شيءٍ يحسدوننا؟ أنُحسَد على تراكم الذنوب، وكثرة العيوب؟!
بيان التوثيق العلمي
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار الاكتفاء بالله: قراءة روحانية في قوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (التأسيس العقدي لسر الكفاية: توحيد الأفعال وبطلان التعلق بالخلق عند الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه القلوب وأحكام الاعتماد على الخالق: قراءة فقهية في سر ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار الاكتفاء ومقامات اليقين: قراءة سلوكية لقوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾)التزكية والتصوف
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (أوهام السحر والحسد وتضخم "الأنا" في النفس)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (داء التعلق بالخلق والبحث عن الأمان المادي في جيوب الناس)الأسئلة
