فقه الوفاء الرباني ومكاييل الصابرين بغير حساب
قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠
فقه الوفاء الرباني ومكاييل الصابرين بغير حساب
سياق الإشارة
جاء استشهاد الشيخ بهذه الآية الكريمة في سياق بيان عظمة الجزاء الإلهي للصائمين، موضحاً أن الصيام هو عين الصبر، ومبيناً كيف أن الله سبحانه رفع مقادير الأرقام والحسنات المحدودة عن عبادة الصوم ليتولى هو جل جلاله مكافأة الصائم بعطاء يليق بكرمه اللامحدود.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الآية الكريمة، كاشفاً عن أسرار التجلي الرباني ومؤسساً لفهم أعمق لحقيقة الصيام: اعلم يا ولدي أن رمضان لم يُشرع ليكون مجرد شهرٍ للجوع المادي، إنما هو في حقيقته شهرٌ للرجوع إلى الله. فإذا كان الصيام يمنحك حرية من "المباح"، فكيف ترتضي لنفسك أن تظل مكبلاً أسير "الحرام"؟ إن الصيام ترويضٌ دائم للنفس على مقام المراقبة، وهو الروح التي تبعث الحياة في الضمير الإنساني الذي ربما أماته غبار الغفلة. وتأمل يا بني في آفة الغش في الموازين، حين توسوس لك النفس قائلة: "اغشس واطفف الكيل، هل يراك من أحد؟"، هاهنا ينتفض الضمير الحي في قلبك ليقول: "لا، إننا صائمون". وهذا يفسر لنا السر في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب فضل الصوم، حديث رقم (١٨٩٤): «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به»؛ فالصيام عبادة جوفية خفية، تخلو من الرياء، تورث العبد يقين المراقبة حتى يغدو الضمير حياً ينبض، لتقول بيقين: "أنا صائم، إذاً أنا حر". فالصيام يعلمك التحرر من رق الأشياء، يربيك لتكون عبداً لله وحده، لا عبداً لشهوة، ولا عبداً للمال أو الدرهم؛ لأنك لا تبلغ ذروة العبودية لله إلا حين تكون حراً مما سواه. وقد أشار أئمة التزكية، وفي طليعتهم الإمام أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ)، الملقب بـ "حجة الإسلام" و"مجدد علوم الدين"، إلى أن الصوم فرعٌ من الصبر، بل هو الصبر عينه. وهنا يتجلى معنى الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، ليوضح لنا الشيخ جابر أن الله لم يضع للصيام حداً معلوماً من الحسنات؛ فأنت تصوم ولا تدري كم ثواب يومك المكتوب. لقد رفع الله مقادير هذا الثواب عن الملائكة الكرام وقال لهم: "اكتبوا أنه صام، وأنا وحدي الذي أجزي به". فيا لروعة العطاء حين يكون الذي سيوفي المكيال، ويملأ الميزان، ويعاملك بالإحسان في لحظة إحسانك إليه ومراقبتك لوجوده، هو الله جل جلاله! فإنه سيحسن إليك على قدر جوده، لن يتجلى لك بميزان عملك القاصر، بل سيتجلى عليك على قدر عظمته وكرمه وعطيته التي لا تُحد. ولذا جاء التعبير القرآني بلفظ "يوفى" ولم يقل "يعطى"، لأن الوفاء هنا يشير إلى أن الله سيعطيك ما تستحق ويفيض عليك فوق ما تستحق. ولماذا كان هذا الأجر بغير حساب؟ لأن مكاييل الله وموازينه للصائمين ليس لها أرقام تقيدها. وهو ما يؤكده ما ورد في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان، حديث رقم (٣٨): «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنب». فهل أخبرك النبي بعدد الحسنات؟ لا، بل جاءتك البشارة بأن كل ما فات وسلف من الذنوب سيموت ويُمحى مع الصيام، وهذا هو عين الوفاء للصابرين بغير حساب. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الصيام ليس مجرد امتناع ظاهري عن المفطرات، بل هو معراج للصبر والتحرر من رق الأشياء، ومقام للمراقبة يؤهل العبد لتلقي العطاء الإلهي المطلق الذي يتجاوز حسابات الملائكة وأرقام الحسنات، ليفيض من بحر جود الله الواسع.
