الصيام والصبر: العطاء الإلهي المفتوح بلا ميزان
قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠
الصيام والصبر: العطاء الإلهي المفتوح بلا ميزان
سياق الإشارة
جاءت هذه الآية لبيان حقيقة الصوم في ميزان العلماء بأنه هو "الصبر"، ولتوضيح حجم العطاء الرباني الذي يتخطى كل الحسابات والموازين جزاءً على حبس النفس عن شهواتها.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مؤسساً لمعنى جليل في فقه العبادات: يا ولدي، إن أئمة الفقه والتزكية قد أجمعوا على أن الصوم هو التجسيد الحي لـ "الصبر"، فالصبر لغة هو الحبس والمنع، والصائم في نهاره يحبس نفسه طواعية عن شهوتي البطن والفرج لله رب العالمين. ولما كان الصيام هو الصبر، فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل جزاءه خارج نطاق الدواوين والمقاييس المعتادة. فقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يشير إشارة واضحة إلى أن الله يفيض على الصائمين المخلصين من كراماته ما لا تدركه العقول ولا تحصيه الملائكة. ومن أعظم هذه الكرامات اللامحدودة ما ذكره الشيخ من مقام "الشفاعة"، كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة». فالصيام يأتي محاججاً ومدافعاً عنك قائلاً لربه: منعته الأكل والشهوة، والقيام يأتي شفيعاً لأنه منعك لذة المنام. وهذا العطاء اللامحدود والشفاعة المقبولة هما ثمرة المجاهدة الصادقة والصبر الجميل الذي ذابت فيه حظوظ النفس. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن من حبس نفسه لله في دار التكليف، أطلق الله له العطاء في دار الجزاء، وجعل أعماله وصبره تشفع له بغير عد ولا إحصاء.
